في يوم مثقل بالقذائف، وسماء تتقاذفها أعمدة الدخان، تجلى صوت أنقى من أن يُحتمل وسط عالم تكدر على وقع إبادة مستمرة في قطاع غزة، إبادة لا يلوح فيها جينيريك النهاية.
هو صوت طفلة فلسطينية اسمها هند رجب ودعت الحياة فيما ترتجف أبواب السيارة التي تؤويها على هول الطلقات واحتفظ الأثير بترنيمة ندائها حينما كانت تستغيث بالهلال الأحمر.
رحلت هند ذات تراجيديا وبقي صوتها يقارع النسيان، يرش الملح على جرح مفتوح، يعري العجز والخذلان ويراكم القهر والسخط وهو يهمس في الفراغ وينحت من الوهم سلما نحو النجاة.
هذه اللحظة التي تلتبس فيها كل الانفعالات وتتفجر فيها الخيالات التقطتها المخرجة التونسية كوثر بن هنية ونسجت منها ملامح فيلم “صوت هند رجب” في تأويل سينمائي ينهل من الوثائقي لكنه لا يقف عنده بل يعمّده بالروائي.
في منطقة وسطى بين الوثائقي والروائي تقف المخرجة كوثر بن هنية لتروي المأساة من داخل مقر الهلال الأحمر ومحركها التسجيلات التي تحفظ صوت هند الذي ترنّح على الخطوط الهاتفية مثل طائر جريح يبحث عن مأوى.
الفيلم يأتي من رحم جرح مفتوح وهو ما يشكل البعد الشعوري لمشاهدته، بعيدا عن أدوات الإخراج التي تختلف حولها القراءات جماليا وتقنيا، ليضع المتفرج في مواجهة مباشرة مع صرخة جابهها الخذلان وظل صداها معلقا في الأثير.
من عنوانه يبدو الفيلم منحازا إلى الطفلة هند رجب يقتنص صوتها البريء الناعم ونظراتها المثقلة بالطفولة وابتسامتها الخجولة وسمارها الذي يشي بغزل شمس غزة لوجهها ويروي المأساة من زاوية طفلة رحلت قبل أن ترى البحر.
على وقع كلمات أمها التي اختزلت كل أماني ابنتها في الذهاب إلى شاطئ غزة تقفز أمنية واحدة “ليت هند تخيلت البحر والشاطئ قبل رحيلها” ولكن الأكيد أنها صارت موجةً عاتية تعلو وترتطم بجدار الصمت الممتد على كل العالم فتمعن في إحراجه.
أمنية هند التي حملتها معها إلى العلياء ووجه أمها المحمل بالوجع وملامح شقيقها الصغير التي صارت امتدادا للأسى، ولقطات خاطفة للقاء بين الأم وابنتها وبينهما كفن أبيض، تفاصيل تتخطى قدرة الكلمات على الوصف وتتعدى كل الأطر الضيقة.
وفي الضفة الأخرى من المأساة، في مقر الهلال الأحمر، لا تحاكي التفاصيل الوضع الفعلي مع القصف المستمر في قطاع غزة فلا أثر لخلية النحل في عمل عناصره ولا اتصالات متواترة تعكس الأزمة التي يعلمها القاصي والداني.
وفي البناء الدرامي للحظات المأساوية يعد التمثيل أحد أهم الرهانات ويحسب لكوثر بن هنية أنها صاغت الأحداث بشكل تبقى فيه تسجيلات صوت هند الحقيقية شخصية مستقلة بذاتها لا تستوعب تمثيلا لما عاشته.
ولا يقدم الفيلم الشخصيات كأبطال بل امتدادا لشخصيات حقيقية صنعت بطولاتها واقعا وقطعت السبيل أمام اي استغلال عاطفي لها، هي محاولة لالتقاط جزء من الرواية لم تلتقطه الكاميرا في الواقع.
ولئن كان نسق تحرك عناصر الهلال الأحمر في الفضاء المغلق المتخيل منطقيا ومعقولا في بداية الفيلم فإن بعض المشاهد بدا فيها البناء الدرامي مفرطا في الشرح وسط مبالغة في الأداء وتكرار كان يمكن أن يحل الصمت محلهما.
كما أن إعادة تمثيل الأحداث من وجهة نظر المخرجة، في مقر الهلال الأحمر، أطنبت في جعل الأجواء طبيعية وعفوية إلى درجة ظهر معها عناصر الهلال الأحمر، في بعض المشاهد، هواة لا يجيدون التعامل مع الوضعيات الطارئة.
وأحيانا يجنح الفيلم إلى المباشرتية والإفراط العاطفي خاصة في ما يتعلق بتفسير مسارات إسعاف المصابين في القصف والذي لا يخلو من تذنيب المسعفين وإن كان غير مقصود، ولكنه يغطي ذلك يجماليات تقوم على اقتناص النظرات والرجفات من خلال لقطات قريبة.
من الناحية التقنية، يُحسب للفيلم، أيضا، توظيف تسجيلات الهاتف التي تحمل أنين الطفلة هند لتتماهى مع النسيج البصري، وتتحوّل من أرشيف إلى مادة سينمائية تُعيد بناء الذاكرة، فيما يخلق المونتاج إيقاعا يتأرجح بين البطء التأملي والتصعيد الدرامي.
الانتقال بين تسجيلات الهاتف واللقطات المعاد بناؤها جاء سلسا في أغلب الأحيان إذ أذاب الخط الفاصل بين الوثيقة والخيال ولكنه في بعض اللحظات، أثقل الإيقاع بالبطء والتكلف الحقيقة.
ونسق الفيلم في المجمل يحاكي وقع التنفس المرهق للطفلة، ليخنق المشاهد كما اختنقت أحلامها داخل السيارة التي نخرتها 355 رصاصة، غير أن بعض المقاطع تقع في فخ التكرار والتمطيط دون بعد جمالي.
وفي ما يتعلق بالنص وحوارات الممثلين لبست الكلمات حلة الحياد على عكس فكرة الفيلم المنحازة لفلسطين وغزة، فلا حديث مباشر عن الإبادة ولا العدوان ولا الحصار باستثناء مشهد انهيار أحد المسعفين في مشهد روائي.
و”صوت هند رجب” لا يروي جريمة واحدة من جرائم الاحتلال الصهيوني في غزة، بل جرائم بالجملة راح ضحيتها عائلة حمادة؛ هند رجب وخالها وزوجته وأبناؤهم الأربعة ومسعفان إثنان من الهلال الأحمر في جريمة حرب لم تستدر الانفعال المطلوب في المشاهد التمثيلية.
رغم المآخذ في علاقة بالمعالحة السينمائية، يظلّ الفيلم عملا فارقا حمل التراجيديا إلى مساحات أخرى تستغيث فيها هند رجب لعل المتواطئين يسمعون صوتها المرهق الذي سبق جسدها وتجاوز غيابه.
في بناء هجين بين الوثائقي الذي يختزن الحقيقة والوجع والروائي الذي يحتمل أكثر من قراءة وتأويل، حكى “صوت هند رجب” مأساة طفلة حلمت بظل أمها يلوّح من بعيد ودفء بيت لعل الركام أكله، وحكاية لم تكتمل لأن رصاص العدو أسرع إليها.
في حضن السيارة المثقوبة بالرصاص، لم يكن لها سلاح غير صوتها، فصرخت تبحث عن هواء يتسع لصدرها الصغير، واستغاثت بالبعيد والقريب، وكان الهاتف نافذتها الأخيرة، طرقتها ولكن القادمين لفتح الباب التقوا معها في السماء.
وظل صوت هند رجب حيا يتردد على مسامع العالم يتحدى الركام والحطام ويقارع دوي القصف ويشهد على وحشية آلة القتل الصهيونية التي لا تستثني أحدا.