تحولت قاعة الاجتماعات ببلدية القلعة الكبرى صباح الخميس 9 أفريل إلى فضاء للنقاش وتبادل الأفكار وتطارح الرؤى حول دلالات ورمزية الاحتفال بالذكرى السبعين لاستقلال تونس والذكرى 88 لأحداث أفريل 1938. وتندرج هذه التظاهرة التي بادرت بتنظيمها جمعية علوم وتراث بالقلعة الكبرى في إطار الدورة الثانية لملتقى إحياء الذاكرة بالجهة حيث أمّن رئاسة جلستيها كل من الدكتور عز الدين الزواري عميد سابق ورئيس بلدية القلعة الكبرى سابقا والدكتور محمد الصغير قايد رئيس جمعية علوم وتراث سابقا.
لعلّ ما وجب التنويه به قبل الشروع في نقل وقائع هذه التظاهرة الرمزية في مدلولها والثرية في محتواها هو القيمة العلمية وكذلك المعرفية لأبرز المتدخلين الذين نجحوا في شد انتباه الحاضرين من خلال مداخلات ثرية وقيمة ودسمة من حيث المعلومات والأفكار والمقترحات المقدمة من أجل تثمين هذين الحدثين المفصلييّن في تاريخ تونس. كما أن قيمة الحاضرين كانت من نفس قيمة المشاركين حيث واكب هذه التظاهرة ثلة من خيرة ابناء الجهة من مثقفين ومفكرين وكتاب ومختصين في العديد من المجالات مما ساهم بشكل جلي في اثراء الحوار والنقاشات التي ميزت اختتام هذه التظاهرة.
من أجل شباب فاعل ومتصالح مع تاريخه
كانت مداخلة الخبيرة في الحوكمة المحلية كاميليا هميلة المبروك وهي بعنوان “الشباب وأمانة الاستقلال” فرصة لتسليط الضوء على زاوية لطالما ضلّت محل نقاش وأخذ ورد. حيث اعتبرت المُحاضرة أنه من الضروري ترسيخ الفكر النقدي لدى الناشئة لتمتين علاقتهم بالوطن وتغيير العديد من المسمّيات والمفاهيم التي لطالما كانت بعيدة عن الحقيقة.
وترى الخبيرة أنه لا بد من توفر ارادة سياسية حقيقية لتكريس ثقافة الانتماء وتقريب الشباب من تاريخه ومصالحته معه وتغيير العديد من المناهج منها الثقافية والتعليمية والاعلامية. وتعتبر المتدخلة في هذا السياق أن المادة الثقافية التي تعنى بالشأن التاريخي والتوثيقي محدودة خصوصا أن الأشكال والقوالب التي يتم تقديمها غير مواكبة لمتطلبات الشباب وعصر الرقمنة وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
كما انتقدت كاميليا هميلة المبروك استشراء نظام التفاهة عموما من خلال ما يتم ترويجه من مضامين لا ترتقي الى النهوض بالفكر بل وتساهم في مزيد توسيع الهوة بين الشباب وتاريخه. كما اعتبرت المتدخلة أن غياب الديمقراطية هو أحد العوامل المهمة المؤذنة بالخراب ولعل ما نلحظه اليوم من هجرة جماعية للأدمغة من بلادنا هو نتاج لهذا الوضع الذي ساهم في تعميق الهوة بين الشباب ووطنه خصوصا أن الشباب اليوم أصبح لا يشارك في اتخاذ القرار وهو ما اعتبرته المحاضرة “شباب منقوص المواطنة والانتماء”.

شذرات من تجلّيات فعل المقاومة
من جهتها عادت الباحثة في التاريخ المحلي خديجة زخامة شهلول خلال مداخلتها على العديد من المحطات التي حفّت بتاريخ المقاومة المسلحة بالساحل وسلطت الضوء على العديد من الحقائق التي لطالما ظلت طي الكتمان خصوصا في ما يتعلّق بهويّة العديد من المقاومين الذين لفّهم النسيان ولم يلقوا حضّهم من التأريخ لبطولاتهم وأمجادهم.
وتعرضت المحاضرة في هذا السياق إلى انطلاق شرارة المقاومة مبكرا مع انتصاب الحماية الفرنسية سنة 1881 حيث بدأت تلوح بوادر هذا الفعل الملحمي في اتحاد قوي بين عسكر الباي الذي “شق عصا الطاعة” والمجتمع الحضري والمجتمع القبلي. وقد بلغ عدد المعارك التي تم خوضها ضد الاستعمار سبع معارك في فترة وجيزة جدا بين 28 أوت و24 أكتوبر وقد بلغ عدد شهداء هذه المقاومة التي لاقت صدّا عنيفا وشرسا من قبل المستعمر الفرنسي، 250 شهيدا بحسب توصيف المحاضرة.
ومن أبرز هذه الشخصيّات التي اقترن اسمها بهذا المدّ النضالي المبكّر والتي استشهدت في هذه المعارك، ساسي سويلم من القلعة الكبرى -الذي اقترن اسمه بمعركة “الأربعين” وهي معركة حامية الوطيس اندلعت ببرج حفيظ ببوعرقوب يوم 28 اوت مع خمسة من رفقائه- قبل أن يأخذ عنه مشعل المقاومة في جهة سوسة علي بن المبروك. أما في جهة المنستير، فبحسب الباحثة، تزعّم الشاوش سعد قم البناني المقاومة وخاض، صحبة رفاقه علي بن خديجة، أصيل مدينة جمّال ومحمد وعبد الرحمان التومي من منطقة بني حسان والشاوش محمد الصياح من جهة بوحجر والعربي بن الكحلة وأحمد بن سالم من مدينة المكنين، معركة هنشير الخضراء قبل ان يقتل بالرصاص يوم 18 جانفي 1882 بالقيروان.
كما تعرّضت المتدخلة الى دور قادة قبائل الساحل في دحر المقاومة وانخراطها في المقاومة المسلحة من ذلك الحاج الواعر قائد أولاد سعيد وصالح بن أحمد الحفصي عن قبائل السواسي والصغير الحنشي المثلوثي عن قبائل المثاليث المتاخمة للمهدية وعلي بن عمارة الجلاصي، حيث كان استشهاده في معركة واد لاية بالقلعة الصغرى يوم 22 اكتوبر 1881 مُؤذِنا بنهاية المقاومة المسلحة “فاحتل الجيش الفرنسي القيروان دون أدنى مقاومة يوم 26 اكتوبر 1881”.
وقد كان هذا المد النضالي الذي رافق تغلغل الاستعمار في بلادنا اللبنة التي ساهمت في تشكّل هذا الفعل الوطني وأخذه لاحقا بُعدا سلميا حيث قاد الزعيم الحبيب بورقيبة، مؤسس دولة الاستقلال، على امتداد سنين طويلة وصحبة جمع من رفقائه، حرب التحرير عبر الكلمة والاتصال المباشر مع الشعب التونسي و الفعل الدبلوماسي وهو ما جعله عرضة الى التنكيل من قبل المستعمر ليجد نفسه سجينا حينا ومنفيا حينا آخر. وقد اندرجت مداخلة أستاذ التاريخ المنصف السلطاني في هذا السياق حيث تعرض في مداخلته إلى التجربة السجنية وكذلك تجربة المنفى في حياة الزعيم بورقيبة النضالية. وهي تجارب أسهمت في “تشكيل الوعي السياسي لبورقيبة وفي بلورة شخصيته القيادية”. وهي شخصية بحسب المحاضر “جمعت بين الصلابة النضالية والبراغماتية السياسية”، وقد ساهمت هذه الصفات والخصال في تحديد مسار التفاوض مع الاحتلال الفرنسي وتحقيق الاستقلال سنة 1956.
كما لم يفت السلطاني التنديد بما يسعى له البعض من “تشويه متعمّد” للتاريخ والسعي إلى تزييفه أو الاستنقاص من استحقاقات المناضلين في سبيل تحقيق الاستقلال وخصوصا الزعيم الحبيب بورقيبة.
وفي سياق متّصل، أشار جعفر الأكحل مدير مجلة الميثاق في مداخلته إلى “المعارك الكبرى” التي قادها الزعيم الحبيب بورقيبة على درب بناء دولة الاستقلال. وأشار الى أن من بين أهم هذه المعارك تلك المتعلقة بالجلاء العسكري و الجلاء الزراعي ومعركة تكريس حرية المرأة وما تمخّض عنها من مكاسب لعلّ أهمها اطلاق مجلة الأحوال الشخصية، هذا فضلا عن حرب تحرير العقول من الأفكار الرجعية ومقاومة الفقر واصلاح التعليم وتوفير الرعاية لصحية وغيرها.

لمسة وفاء للمناضل أحمد بودريقة
في إطار الانفتاح على محيطها، سعت جمعية علوم وتراث، برئاسة محمد علي بن عامر الذي افتتح أشغال هذه التظاهرة، الى تسليط الضوء على أحد المناضلين بالجهة وهي سنة دأبت الجمعية على القيام بها طيلة أنشطتها الدورية.
وفي كلمة ألقاها الدكتور توفيق بن عامر نيابة عن رئيس تحرير أخبار الساحل ومنسق هذه التظاهرة، حسن بن علي، نوّه هذا الأخير بالدور الذي لعبه المناضل أحمد بودريقة خلال الحقبة الاستعمارية. حيث قاد بودريقة يوم 21 جانفي 1952 مظاهرة سلمية بمسقط رأسه القلعة الكبرى أمام مكتب الخليفة “للاحتجاج على ما قامت به السلط الفرنسية من قمع وحشي للمواطنين في مدن الساحل والوطن القبلي”.
واستعرض حسن بن علي خلال مداخلته مختلف الأنشطة النضالية التي ميزت مسيرة أحمد بودريقة منذ زمن اندلاع الثورة المسلحة في جانفي 1952. حيث شارك صحبة المناضل جلول بن شريفة في أشغال “مؤتمر الحزب بنهج القرمطّو بالعاصمة وهو المؤتمر الذي انبثق عنه قرار اندلاع الكفاح المسلح.
وأشار المحاضر الى أنه عقب تفجير “قنطرة سيدي بوعلي” من قبل المناضلين محمد بن عامر (شهر الكنز) وحسين السايب من القلعة الكبرى وعبد القادر دغرير من حمام سوسة، راسل أحمد بودريقة في 9 مارس 1954 رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان الفرنسيين مطالبا اياهم “بإجلاء الجيش الفرنسي من التراب التونسي” مضمِّنا رسالته بعبارة “هزوا جيشكم وارحلوا من بلادنا”.
كما استعرض حسن بن علي خلال مداخلته المقتطفة من مقال “أحمد بودريقة : مسيرة نضال لتحقيق الاستقلال” مختلف المسؤوليات التي تقلّدها بودريقة طيلة مساره حيث شغل منصب أمين مال شعبة القلعة الكبرى قبل أن يصبح رئيسا لها من 1944 الى 1964، فعضوا للجامعة الدستورية بسوسة فعضوا بمندوبية الحزب ولجنة التنسيق بسوسة.
وقد كلّفت مساهمة بودريقة في الكفاح التحريري سلْبه حرّيته في عديد المناسبات حيث كان عرضة للعديد من الأحكام السجنية لفترات مختلفة سنوات 1934 وذلك في مناسبتين وكذلك سنة 1938. كما تم اعتقاله بالجزائر وزُجًّ به مع الزعيم الهادي نويرة في سجونها بين سنتي 1949 و1951. كما تعرّض للاعتقال والسجن بمحتشد مارث (1946-1947) وزعرور وتبرسق وتطاوين (1952-1954).
ولم تجحد دولة الاستقلال المسيرة النضالية لأحمد بودريقة (15 مارس 1909-21 فيفري 2009) حيث تم تكريمه بالصنف الأول من وسام الاستقلال في 2 مارس 1964 بمناسبة الذكرى 30 لمؤتمر قصر هلال اضافة الى العديد من التكريمات الأخرى. ومن بين النقاط المهمة في مسيرة أحمد بودريقة هو تأثره الكبير بشخصية الحبيب بورقيبة الى درجة اطلاق اسمه على ابنيه (حبيبة والحبيب) وذلك تيمنا به وقد كان بودريقة على رأس الشخصيات المحلية التي كانت في استقباله عند زيارته لمدينة القلعة الكبرى في صائفتي 1986 و1987 قبل أن يتمكّن بعد محاولات عديدة من توديعه سنة 1997 (ثلاث سنوات قبل رحيل الزعيم بورقيبة) بعد أن التقى به بمقر اقامته بالمنستير بعد اذن خاص من الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

التوثيق في خدمة التأريخ
من بين النقاط المضيئة ضمن تظاهرة ملتقى إحياء الذاكرة هي المعرض الوثائقي الذي تم تنظيمه لتسليط الضوء على مختلف الظروف والملابسات التي حفّت بأحداث 9 أفريل 1938. حيث عرض المكتب الجهوي للتوثيق بالمنستير بمشاركة المولدي العارم وإيمان الشعباني العديد من القصاصات الصحفية والجذاذات والوثائق الهامة التي أرّخت لهذا الحدث المفصلي الذي شهد سقوط عدد كبير من الشهداء وأصبح ذكرى تحتفل بها بلادنا سنويا لتخليد أرواح الذين فدوا تونس بدمائهم وأرواحهم.

كما كان لممثلة المكتب الجهوي للتوثيق بالمنستير الفرصة لتقديم لمحة مفصّلة عن الدور الذي يلعبه مركز التوثيق الوطني في حفظ الذاكرة وذلك عبر تبان مختلف المراحل التي يتم من خلالها أرشفة المحامل التوثيقية وعرضها على العموم.
كما عبّرت عن حرص المركز على مواكبة مختلف التحولات الرقمية والتكنولوجية عبر تخصيص العديد من الآليات والمشاريع المستقبلية لجعل الوثائق متاحة بطريقة أكثر سلاسة وسهولة.




