في فيلم “أب، أم، أخت، أخ” الذي عرض في مهرجان الجونة السينمائي يخط جيم جارموش فصولا طويلة عن هشاشة الروابط العائلية حين تربكها المسافات، وعن البرود الذي يختبئ في ثنايا الحنان، وعن الأصوات التي ترتجف في مواجهة الصمت.
الفيلم ليس سردا تقليديا، بل خيط ضوء يمرّ عبر شقوق العلاقات، فيتماهى مع إيقاع الحياة اليومية: رتيبة أحيانا، لكنها مشبعة بتفاصيل صغيرة تشع كوهيج داخل ظلمة حالكة مثقلة بالبرود
حالات وجودية تفيض بصمتها يرسم من خلالها جارموش عوالم فيلمه بضوءٍ خافت، ويرتب العلاقات كما تُرتَّب الزهور في مزهريةٍ منسية على طاولة المطبخ: بهدوءٍ، وبدقّةٍ، وبإحساسٍ عميقٍ بأثر المسافات في الأرواح.
كل لقطة في الفيلم تشبه شهيقًا طويلًا يسبق البكاء، وكل مشهد هو محاولة للنجاة من الفتور الإنساني الذي يُطوّق العائلة مثل ظلٍّ لا يزول ويوحي الفيلم في بدايته وكأن ذاكرة تتشكل من جديد.
لا انفجار في الحدث، لا توتر مفتعل، بل بطءٌ مدروس يمنح المشاهد وقتًا كي يتأمل اهتزاز الضوء على وجهٍ، أو صوت قطرات ماء تتسرب من الصنبور وترتطم بكوب وهي عناصر تشكل شاعرية جارموش التي تتسلح بالبساطة.
إنّها شاعرية اليوميّ، العابر، غير المبهر في ظاهره، ولكن تفاصيله الصغيرة تأسر العين حينما تتبدى، فالماء، الذي يتكرر ظهوره في كل فصل، ليس مجرد تفصيل بصري، بل مفصل في الفيلم.
الماء يتسلل كصوتٍ خافتٍ بين الحوارات، ليذكّرنا بأنّ المشاعر أيضا قابلة للتجربة إن لم تجد من يحتويها، وهو يظهر في أشكال مختلفة تحاكي ذاكرة تسيل وتفلت من الزمان والمكان.
في حضرته، تصبح العلاقات أكثر شفافية، والألم أقل حدة، لكنّه لا يختفي، إنه كينونة حاضرة باستمرار، تربط الفصول الثلاثة من الفيلم الذي،عرض في مهرجان الجونة السينمائي، مثل خيطٍ من ندى.
في الجزء الأول، حيث يزور الأخوين جيف (درايفر) وإميلي (مايم بياليك)، أباهما، يخلق جارموش فضاء بصريا باردا، مكسوا بضوء رماديٍ خفيف يشبه الصمت، تبدو فيه العلاقات كزجاج هش يمكن أن تكسره لمسة.
الحوارات حذرة كمن يسير على قشرة جليد. الصوت خفيض، الأجساد متيبسة، والعاطفة تختبئ خلف الانضباط، برود يكمن خلفه سيل من الحنان الذي يختزله انهيار الأب في جنازة زوجته.
أما في فصل الأم، فتتبدّل الألوان، يتحلى الضوء بقليل من الدفء لكنّه يظلّ مائلا إلى الشحوب، فيما تجلس أم (شارلوت رامبلينغ) تجلس على مقعدها في دبلن كأنها امتداد لحلم قديم، تقيس المسافة بينها وبين ابنتيها بنظرةٍ واحدة.
الابنة الكبرى تيموثيا (بلانشيت) محافظة تبحث عن توازنٍ لا تجده، والصغرى ليليث (فيكي كريبس) متمرّدة، تملأ العالم بالضحك كي تخفي خوفها من الوحدة، بينهما تدور حواراتٌ قصيرة، ومتقطعة، لكنها غنية بما لا يُقال.
حتى لحظات الصمت في هذا الفصل مشبعة بالحنين، لكل تفصيلةٍ دلالة : فنجان شايٍ متروك على الطاولة، زهرة تنتظر في الخلفية، ظلال المساء وهي تزحف على وجه الأم كاستعارةٍ للزمن الذي مرّ ولم يعد.
في الفصل الأخير، حين نصل إلى باريس، يتبدّل الإيقاع كما لو أن المدينة نفسها توشحت بمسحة ويتواصل التوأم (إنديك مور ولوكا سابات) اللذان يبدوان انعكاسًا لبعضهما، يتواصلان بنظراتهما أكثر من الكلام.
التوأم يبتسمان دون سبب، يصمتان طويلاً، يقتربان ثم يبتعدان، كأنّهما يختبران إمكانية الاحتواء في عالمٍ يهاب التورط في المشاعر، ويتبشان في خانات الذاكرة ويسكن أحدهما إلى الآخر حينما يستبد بهما الحنين.
كل شيء في الفيلم يخضع لفكرة التوازن بين الحزم والحنان، بين الرغبة في البقاء متماسكًا والخوف من الانهيار وتمشي الشخصيات على هذا الحبل المشدود دون وعي، وهي تتأرجح بين السقوط والنجاة.
في عالم جارموش يبدو الحب غير مكتمل يراوح بين الحقيقة والزيف ويترنح بين الانكسار والثبات لكنه موجود رغم الصمت الثقيل الذي يكتم أنفاسه ورغم الفراغ الذي يبتلع كلمات الشخصيات.
“أب، أم، أخت أخ”، تأمل بصريّ في معنى القرب ينهل من الواقعية ويستعير من الطبيعة تفاصيل صغيرة ترسخ المعنى وتمنح الفيلم عمقه العاطفي والفلسفي ليتحول اليوميّ عند جارموش إلى مساحةٍ للتأمل في الزمن، في الفقد، في هشاشة الوجود.
وما يجعل الفيلم أكثر فرادة هو طريقته في إخفاء جماله داخل البساطة، فهو يتجاوز الاعتماد على الحبكة، إلى الإيقاع الداخلي، فيتصيد البرود والوجوم والتأثر والتجاهل والبكاء
جارموش لم يصنع فيلما عن العائلة فحسب، بل عن الإنسان وهو يحاول أن يحبّ دون أن ينهار، أن يتماسك دون أن يتحجّر، هو ليس عن أب، أم، أخت، أخ”، هو عنا جميعا نحن الذين نحيا بين الحذر والرغبة، بين البُعد الذي نحتمي به والقرب الذي نخافه.
إنّه فيلم عن الضوء حين يلمس وجوهنا المتعبة، وعن الماء حين يعكس وجعنا دون أن يُديننا، عن كل الحنان الذي نحمله ولا نعرف كيف نسربه من داخلنا بقدر لا يؤذينا ولا يؤذي الآخرين.