أسلاك شائكة تأسر الأرض والسماء تتسلل نتوءاتها من بين لقطات الفيلم الوثائقي “أبو زعبل 89” للمخرج بسام مرتضى تستفز أنظارك فتغرق في رحلة البحث عن منفذ وأنت تقتفي أثر محاكمة سياسية ممتدة في الزمان.
أن تنظر إلى السماء عبر سيل من الأسلاك الشائكة ليس بالفعل الهين، الأمر مربك جدا، موجع ومثقل، يكفي أن كل زوايا النظر غير كفيلة بأن تحجب خيوط الحديد المتشابكة على أعتاب الذكريات.
الأسلاك الشائكة كما اللعنة متى تشكلت صارت حملا يتعاظم بالتقادم ولكنها أيضا تستدر قصصا غير مروية عن أمائرها في قلوب مناضلين كتمت على صدورهم حيثما كانوا وأنى كانوا.
وفيما تتناثر الخيوط الشائكة بين الماضي والحاضر يتأرجح بسام مرتضى بين صفحات الماضي ويترنح بين اللحظات السياسية والاجتماعية ويبوح بأسرار طفل تسربت إليه المعاناة دون أن تستشيره.
في ثنايا “أبو زعبل 89” الذي عرض في أيام قرطاج السينمائية تتجلى ملامح سينما ذاتية تتخذ أصلها من حقيقة تاريخية وسياسية ولحظة نضال لا غبار عليها وتعيد صياغة الأرشيف عبر الحفر في خانات ذاكرة المخرج، الابن الذي يتحسس طريقه بعيدا عن الحواجز.
على إيقاع رواية الابن ووالده السجين السياسي يتجلى ملمح إنسان يستمر في المحاولات وهو يبتلع جمرا، يحاول الثبات والسبيل بين الماضي والحاضر يهتز من حوله، يشرع أبواب الذاكرة فتحاصره الهواجس وتحجب عنه ميناء السلام.
القصة التي لا نهاية لها انطلقت باعتقال مشاركين في الإضرابات العمالية بسجن “أبو زعبل” عام 1989 وتعذيبهم ومن بينهم والد المخرج الذي نسفت الملاحقات السياسية استقراره وزعزعت تمثله لما حوله.
بين رواية أب لم يطق فعل السجن والتعذيب فكان رد فعله التخلي عن أسرته، وبين إبن ارتمت المسؤولية في أحضانه غصبا عنه يتكاثر التوتر وتتسرب رواية الأم التي تعكس تصالحا مع الأحداث في بعديها الموضوعي والذاتي.
ربما هي محاولة للتشافي من إرث الماضي الذي سقط على رأس بسام مرتضى وآخرين قد تروي القصة بعضا مما عايشوا، على إيقاع استرجاع الذكريات؛ ذكريات ابن رمته أمه في دروب السجن لزيارة والده وأب رمى مسؤولياته على ابنه حينما قرر الهرب من كل شي.
محاكمة الأب سياسيا كانت منفذا لتجربة عائلة مرتضى التي أقحمنا فيها الفيلم على إيقاع ذاتية المخرج الذي يتحكم في شريط ذاكرتنا ويعود بنا إلى سنوات خلت حينما زار والده لأول مرة في السجن عام 1989.
وإن لم تكن قد أتيت إلى الدنيا في تلك الفترة فإن حبكة الفيلم وتطريز الأحداث فيه تصور لك اعتصامات عمال مصنع الحديد والصلب بحلوان زمن حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ووزير داخليته زكي بدر وما عقبه من اعتقالات بتهمة المشاركة في تنظيم شيوعي.
على امتداد الفيلم تشعر أن عينيك تقفزان إلى ذاكرة المخرج حيث تتبع شريط ذاكرته عبر مشاهد تعبيرية ينظر من خلالها إلى ماضيه، إلى عائلته، إلى نفسه ويصنع لنفسه أرشيفا يحفظ طوفان المشاعر المختلطة.
ويبدو أن ذلك الطفل الذي ألقيت على عاتقه المسؤوليات لن يقتنع بما حصل ليرتمي في حضن فيلمه وشكل سياقات يتقمص فيها شخصية والده لعله يستوعب تشكل اللحظة الفارقة التي طغت فيها الانهزامية على المناضل.
محاولات متتالية لفهم الأب الذي غادر خارج مصر تتشكل على إثرها تعبيرات مختلفة ويطل وجه الابن الذي تحمل كل المسؤوليات قبل الأوان متظاهرا بأنه يتفهم سياق موقف والده عبر بسط حيثياته.
لكن من يقتفي أثر الخيوط الشائكة التي تطل من زوايا الفيلم يعلم أن لا بسام ولا والدته استوعبا فكرة هروب رب الأسرة؛ في تصرف جدلي قد يعكس حالة ضعف أو حالة أنانية.
بسام، محمود، فردوس، الإبن والأب والأم ثالوث دار في فلك الأسلاك الشائكة وكل منهم كان يبحث في قرارة نفسه عن النعيم وسط سرديات موغلة في الذاتية تفضح تورط الجميع إلى النخاع في حادثة الاعتقال.
الاعتقال لم يعد يعني المعتقل فحسب ولم ينته بمغادرة السجن بل ظل يلازم العائلة كحالة غير قابلة للعبور، حالة تشكلت في فيلم سينمائي يورط المشاهد ويغرقه في دوامة من الأسئلة الوجودية.
في بعض اللقطات تبدو كاميرا بسام مرتضى مستفزة جدا، تخنقك، تربكك، تبعثر أنفاسك وتورطك في خلجاته وهي تلتهم التفاصيل دون ان تحملنا إلى بر التشافي وكأنما نحن في امتداد لمحاكمة لم يصدر حكم نهائي فيها.
في أكثر من مشهد يحاول الإبن التماهي مع والده لتضيق الدائرة أكثر فأكثر وتستمر المواجهة على ضوء الانتقال سريعا من حكاية موضوعية وطنية إلى مسألة عائلية بحتة إلى قضية أكثر ذاتية يحبسنا المخرج في طياتها.
تلك الذاتية المتقوقعة تحاكي في بعض أبعادها المعتقلات وما تخلفه في الذوات والأنفس من آثار تتعتق بمرور السنوات وتتسرب من بين خانات الذاكرة وتُحدث في الروح خدوها وندوبا.
هذه الآثار تتجلى في صوت بسام، في نظراته، في دمعاته المكتومة، في المسافة القائمة بينه وبين والديه ولا تختصرها اللحظات المصورة، في تعبيراته المختلفة التي ظهرت على الشاشة وسط استبعاد أخيه “نديم”.
مع تدفق الأحداث تيقن أن “بسام” كان يختبئ وراء كل الشخصيات في فيلمه، مع كل تلك الذكريات وكل الصور، مازال مثقلا بألم والده الذي تطفل عليه ذات طفولة وعجز عن البوح به حينما كبر.
التخلي والفقد في تجلياتهما المختلفة يظهران في ثنايا القصة المربكة ويتعاظمان مع رحيل “فردوس”، والدة بسام، وعلى ناصية الفراق يجتمع “بسام” و”محمود” ويواجهان الماضي معا ولكن تلك المسافة بينهما لا تتلاشى.
فوضى مشاعر تعمك وانت تلاحق تعبيرات الشخصيات في الفيلم، سواء عائلة مرتضى أو من عايشوا تجربة سجن أبو زعبل سنة 1989 على غرار الممثل سيد رجب الذي صنع نسج من تفاصيلها مونودراما.
كل الذين عايشوا تجربة السجن يحملون في حديثهم شجنا ووجعا يتسرب إليك يرجك ويربكك خاصة حين الحديث عن التعذيب، عن الصراخ، عن وقع أقدام رجال الداخلية على الأرض.
مشاهد التعذيب غير المؤرشفة رسم الفيلم بعض ملامحها ولكن حديث الشخصيات المستفيض عنها جعلها مكتملة في أذهاننا بشكل يخنقنا ويهز دواخلنا حتى تضج بصرخات لا تحتملها قاعة العرض.
وأنت تقتفي أثر تجربة ذاتية تصب في أخرى موضوعية، تجربة خاصة تنفتح على أخرى جماعية، يتسلل إليك وجع الشخصيات وهي تسائل نفسها عن قناعاتها وخياراتها ومبادئها.
ووسط كل هذه المشاعر المحبوكة بصدق طفل أبى أن يكبر رغم ثقل الأحداث، تنتابك رغبة في أن تربت على قلوب كل المعتقلين الذين مروا بسجن أبو زعبل إثر المظاهرات العمالية، أن تنصت إلى بوحهم جميعا وبوح أهلهم وذويهم.