في ميناء سيدي بوسعيد، الفضاء المفتوح على زرقة المتوسط، ولدت لحظة تشبه الملاحم الكبرى، لحظة يتقاطع فيها الأمل بالوجع، والفخر بالصمود.
كان الميناء أشبه بمسرح مفتوح على العالم، والبحر مرآة تعكس وجوه الوافدين ووجوه المنتظرين، كل التفاصيل غدت صدى بعيدا لغزة التي تختنق وتتنفس في آن واحد مشكلة مفارقة غريبة.
البحر نفسه ارتدى الكوفية، وتماوج بألوان الرايات التي تسند الراية الفلسطينية في خفقانها وكأنّ الموج يعرف أنّ السفن ليست للعابرين بل للحالمين الذين يصرّون أن يفتحوا نافذة في جدار الحصار.
فيما تعانق البحر والسماء وتلألأت أعلام الشعوب بدا القادمون على سفن أسطول الصمود العالمي الآتية من إسبانيا كأبطال ملحميين يخطّون بوجوههم المتحدة إصرارا وإرادة ملحمة أخرى.
وأما المنتظرون على جنبات الميناء فكانت أصواتهم تنساب كالأغاني الثورية، تذيب المسافة بين تونس وفلسطين، وبين الحلم والواقع وصاغت الكوفيات التي توشّحت بها الأكتاف لغة بصرية تختزل عناق فلسطين لكل الجنسيات في حضن تونس.
والأعلام التي رفرفت، تونسية ومغاربية وفلسطينية وعالمية، رسمت في السماء لوحة ملونة، كأنّها ستارة خلفية لعرض حيّ، وحتى التصفيق والهتاف خلقا إيقاعا موسيقيا يضبط حركة الوجوه والأجساد، ويشكّل تناغما بين الميناء والسفن والجماهير.
المشهد برمته يحاكي اللوحات الفنية حيث يروي الأحمر الساكن في بعض الرايات قصص الدم، ويستحضر الأخضر الزعتر والزيتون ويستذكر الأسود ليل القصف الطويل وينشد الأبيض السلام والسكينة.
وبين الابتسامات التي تحاكي دمعات ظلت طريقها، تطل وجوه الأطفال الذين اعتلوا أكتاف آبائهم ليقتفوا أثر السفن التي تمخر عباب البحر، ما أشبههم البمستقبل الذي يطل على الماضي، ويمدّ يده ليكمل الحكاية ويلونها بألوان الحياة.
وعلى وقع الدلالات والرمزيات يتجاوز الحدث استقبال السفن القادمة من إسبانيا ويمتظ الميناء الصغير مساحة ليفتح ذراعيه للعالم ويذكر بأن تونس وإن ألمت بها الجراح فإنها دوما حاضنة للقضية الفلسطينية.
في لحظة مارقة عن الواقع يبدو البحر نفسه منحازا لفلسطين يمد مياهه جسرا بين كل العالم غزة المحاصرة فيما يرتسم في عيون المتطلعين إلى أسطول الصمود العالمي أمل أكبر من العالم.
وتونس صارت فسيفساء من جنسيات ولهجات وخلفيات متعددة، جمعتها البوصلة نفسها: فلسطين، فلا فوارق بين المشاركين في الأسطول فقد صار الكل جزءًا من الجسد نفسه، جسد الصمود الذي يرفض أن ينكسر، تحت وطأة البحر أو الحصار.
وخلف الهتاف، كان الوجع يتسرب مثل ظلّ عنيد فغزة نازفة جائعة والموت يترصد الأطفال ولكن وحدة المختلفين على ناصية الإنسانية ألغت هالة الانكسار فيما ترسخ إيمان عميق بأن الحصار يمكن كسره بالصوت والصورة والرمز.
فالقادمون على متن السفن التي آواها ميناء سيدي بوسعيد جاؤوا ليقولوا للعالم إنّ فلسطين ليست وحدها، وإنّ غزة رغم الحصار ليست معزولة عن نبض الملايين وإن لا بد لليل أن ينجلي.
كل التفاصيل كانت مشبعة بالرمزية : الكوفيات والرايات والأهازيج الثورية التي تختلط فيها اللهجات، والزغاريد التي تنفلت من حناجر النساء لتذيب المسافة بين الفخر والاحتجاج وبين ملامح الانتصار الرمزي ومعالم الواقع المر.
واستقبال سفن الصمود كان درسا في السياسات الشعبية، تلك السياسات التي تصنعها الشعوب لا الحكومات، فتونس لم تستقبل سفنا فحسب بل استقبلت أفكارا تدور حول قدرة الشعب على نسج مقاومة كونية وعدالة عابرة للحدود.
وفي العيون التي غمرها الفخر والاعتزاز، يتجلى اليقين بأنّ هذه اللحظة ستظل عالقة في الذاكرة، لا لأنّها خطوة في اتجاه كسر الحصار على غزة بشكل مباشر، بل لأنّها أطاحت حيطان الصمت.
الحدث الذي احتضنه ميناء سيدي بوسعيد كان أكثر من استقبال، وأكثر من احتفاء كان مانفستو جماعيًا بأنّ الشعوب قادرة على تحويل موانئها إلى منصات للحرية وأن المقاومة تكون أيضا بالصمود والإصرار وأن فلسطين البوصلة مهما تفرقت الطرق.
*الصورة من صفحة أسطول الصمود المغاربي لكسر الحصار على غزة