الجونة/مصر_في قلب التراجيديا يلقي بنا فيلم “أغمضي عينيك يا هند” للمخرج السوري أمير ظاظا ويجبرنا على أن نبقي أعيننا مفتوحة على الوجع فيما تطلب مسعفة الهلال الأحمر من هند أن تغمض عينيها حتى يعانقها ضوء سيارة الإسعاف.
إلى مساحة بعيدة عما نقلته تسجيلات الهلال الأحمر ونشرات الأخبار من صرخات الطفلة التي لم ترد من الحياة إلا حضور شخص يخرجها من السيارة المدججة بالرصاص والجثث يمضي الفيلم ليجسد الأنفاس الأخيرة قبل أن تحلق هند إلى السماء.
الفيلم محاولة لصياغة المشهد الإنساني زمن الأكاذيب الكبرى فيما تشكل هند رجب مركز النظر من كل الزوايا الممكنة لا بوصفها شهيدة تنضاف إلى سجل التراجيديا العربية، بل باعتبارها وجها للحياة في لحظتها الأخيرة.
تلك اللحظة التي تسبق الانفجار، وتختلط فيها الأنفاس بالدعاء، وتتحول النظرات إلى ضوء يختزن الحلم المبتور اقتنصها الفيلم القصير في الزمن الفعلي والمتمرد على مفهوم الزمن في حبكته وأثره الشديد.
قبل الفاجعة، يبدأ الفيلم وتتوهج الطفلة هند وتاج الزهور على رأسها وأمها تغمرها بالقبلات والأحضان وهي تخفي بيديها الصغيرتين رسما كانت منكبة على تلوينه قبل أن تحزم حقيبتها للموت.
المسافة الإنسانية التي لم تقطعها الكاميرات، تجلت في الفضاء الضيق داخل السيارة التي تشق طريقها وسط الدمار في اتجاه مكان قد يكون آمنا وعلت أغنية فلسطينية لن يعنيك اسمها بقدر ما يشدك تفاعل العائلة معها رقصا.
الكل يهز أكتافه ويحرك يديه يمينا وشمالا، هند وعائلة خالها سرقوا من الحرب لحظة صفاء تشكلت حينما طلبة “لانا” الابنة الكبرى من والدها أن يرفع صوت الأغنية ولكن لم يلبث أن تلاشت نغمات الدبكة.
وفيما جحضت الأعين وهي ترمق دبابة موغلة نحو السيارة توشح البناء الدرامي للفيلم بالتوتر وطغى صوت القنص على صوت الأب الصارخ عبثا أنهم مدنيون، في مشهد وقف فيه المخرج دون حياد مع فلسطين وصور الاحتلال في أكثر وجوهه بشاعة.
“أغمضي عينيك يا هند” لا يجسد المأساة فحسب وإنما يقترح علينا أجوبة عن كل تلك الأسئلة التي انهمرت في أذهاننا ونحن نسمع تسجيلات هند ونتابع تفاصيل المجزرة.
كيف كانت اللحظات التي سبقت القصف؟ هل تواصلت هند مع ابنة خالها قبل أن تلتحق بركب الشهداء؟ كيف صمدت في وجه القصف وكيف كان تنظر إلى الدماء النازفة من حولها؟ كيف أغمضت عينيها؟ هذه الأسئلة وغيرها وجدت صداها في الفيلم.
ليس من الهين أن تعيد صياغة حكاية رمز والأصعب تحريرها من ضجيج الأخبار، لكن ظاظا نجح في تحويل تفاصيل الحكاية إلى مادة شعريّة بصرية، يتأمل فيها الإنسان وسط الخراب.
طيلة الفيلم كانت الكاميرا تتحرك برهبة وخوف وكأنها تحاكي دقة قلوب كل المنغمسين في المأساة، تقترب من الطفلة التي تؤدي دور هند ببطءٍ لتقرأ في عينيها ما عجزت الأخبار والتسجيلات عن توثيقه.
في النظرات يستقر وميض غامض كغموض الموت والإضاءة الخافتة تغلف المشاهد بطبقة من الشجن، وكأن النور نفسه في حداد، والصورة متقشفة، لا استعراض فيها لأن الحقيقة كافية لتفيض بشاعرية لا تنجبها إلا المأساة.
العدسة تُقيم في وجه هند، في حركاتها الصغيرة، في نبرتها البريئة، في أسئلتها عن الأطفال الذين يتحولون إلى عصافير عندما يستشهدون، في رغبتها أن تصير طبيبة وتحقق أشياء كثيرة لأمها.
هذه الكلمات البسيطة تُعيد بناء الوجع من داخله، وتنغمس في التفاصيل الإنسانية الدقيقة ويسير المونتاج على مهل ولا يقطع الصورة على وقع الانفجار بل يترك للزمن متسعا حتى يستوعب.
بعد سحابة الدخان المتسرب من قصف سيارة الإسعاف فتحت هند عينيها قبل أن تغمضها إلى الأبد وصارت مقلتيها فضاء تتراءى فيه جريمة الاحتلال جلية على التماس مع صدق الطفولة وشفافيتها.
والكادر الذي جسّد المأساة كان خاليا من أي زوائد أو استعراض، مكتفية بالحقيقة العارية، وكانت الطفلة باتيل عقاد تعيش في الحضور الأخير لهند حيث يمر العالم كله من عينيها.
هذا الأداء التلقائي منح الفيلم صدقه، وجعل المشاهد جزءا من التجربة التي ما انفكت تختبر إنسانيتنا في كل أشكالها الفنية المتاحة سواء في فيلم “صوت هند رجب لكوثر بن هنية” او معزوفة “هند” للفنان أنور براهم.
ولغة الفيلم في المجمل قائمة على اقتصاد الحركة وكثافة المعنى فكل لقطةٍ تعادل جملة شعرية مكتملة يتسرب منها الرثاء، والضوء يخفت حين يرتسم الحديث في عيني هند وتلاحق عدسة الصدق.
وفي المراوحة بين بساطة الأسلوب وعمق التعبيرات، تتجلى فرادة ظاظا في إدارة الصورة، إذ يترك لكل عنصرٍ حيزا ليكمل اللوحة دون مبالغة أو تكلف أو إعادة استنساخ سمجة تستثمر مشاعر التضامن مع حكاية هند.
“اغمضي عينيك يا هند” يقف على الضفة الأخرى المواجهة للنسيان والاعتياد، ففي عالمٍ يُعيد بثّ المآسي حتى تفقد معناها، يذكّرنا ظاظا بأن الألم يتعدى الخبر ويسكن في التفاصيل الصغيرة.
السينما هنا فعل تذكّر، ورفضٌ لأن يتحوّل الشهيد إلى رقم، هو فيض حكايات وسيل أحلام وأمان وأبعد، لذلك لا ينتهي بنا الفيلم إلى الدمار الذي خلفته آلة القصف إذ نرى انعكاس ضوء الانفجار في عيني هند.
ضوءٌ يغمر الشاشة، يمتدّ من عيني هند إلى فضاءٍ أبيض، كأن الكاميرا أغمضت عينيها معها قبل أن تواجه عددا من الجنود في صورة مستفزة تسائل المبادئ والقيم الرنانة في زمن يتفنن فيه الصهاينة في اغتيال الطفولة.
صورة الجنود في الفيلم ترسخ وحشية آلة القتل الصهيونية ولعل ما يحسب للفيلم أنه لم يصور لحظة رحيل هند لتبدو النهاية المفتوحة على غير هيئة الموت بل تتخذ شكل العبور من طفلة إل عصفورة.
في اغمضي عينيك يا هند ، تُعيد السينما وظيفتها الأولى: أن ترى ما يغفل عنه العالم وأن تُصغي لما يسكت عنه الجميع وتتعلق كاميرا أمير ظاظا بوميض الانفجار تودّع هند الوداع الأخير وتترك لنا ما يكفي من الصمت لنفكر في المأساة من حولنا.