في ليلة اتحدت فيها النسمات والنغمات في المسرح الأثري بقرطاج، توارى ضجيج العالم خلف أنفاس بوق يناجي الروح ويهمس للقلب ويغازل الذاكرة كلما بث فيه الفنان إبراهيم معلوف حكاياته المعمّدة بالحلم.
منذ اللحظة الأولى التي لامس فيها الركح تعالت موسيقاه حتى التحمت بالسماء وتهافتت معها نفحات الأمل التي كانت امتدادا لنفس جماعي تشكل حينما همس بوقه لبقية الأبواق واقتفت غيتارتين (باص) ودرامز وساكسفون أثر الهمس.
على الركح يلوح معلوف وكل العازفين بأزياء سوداء تكثفت معها التلوينات الموسيقية التي أفلحت في أن تطمس سوداوية الواقع على نسق مقطوعات موسيقية تعيد الإنسان إلى إنسانيته.
حجارة قرطاج المحملة بالمعنى والتاريخ كانت شاهدة على عهد بين إبراهيم معلوف وجمهوره تراوحت بنوده بين الحياة والأمل والحلم والفرح وحمل بين السطور تراجيديا غزة ووجع العرب وكل الخيبات والخيانات.
كل التفاصيل ملائمة للحلم الذي صدّقه إبراهيم معلوف ورفاقه على الركح ومنحوه طبقات من المعاني تسربت بين الجمهور الذي انغمس فيه حتى صار مسرح قرطاج مشبعا بما لا يُقال.
الموسيقى كانت مارقة على أي تصنيف، لا تخضع لأي قالب، تخترق المدى بشغف من يحفر الصخر ليوجد طريقا تشبهه، تتحدّى الإيقاع، تجرّ الغرب إلى عناق الشرق دون أن تفقد بوصلة الهوية.
هالة من العفوية غزت الركح وتسللت إلى المدارج حتى تلاشت المساحة بين العازفين والجمهور وتحول المسرح الأثري إلى فضاء رمزي تجلى فيه تراث نسيم معلوف (والد إبراهيم معلوف) ، واختراع البوق بربع نغمة، ونَفَس زياد الرحباني، وهوس الحرية، وموسيقى تُراهن على العاطفة.
هذا الفضاء صار مرآة ممتدة انعكست عليها ملامح مشروع لا يبوح بسحره إلا لمن ينصت بروحه، هو “Trumpets of Michel-Ange”(أبواق مايكل انج) الألبوم التاسع عشر الذي يحاكي نشيد رجل اختار العزف بدل الحكي.
وعَزْف إبراهيم معلوف ومن معه يغني عن سيل من الكلمات فهم حينما يتحدون مع آلاتهم الموسيقية يستنطقون الوجود ويحركون السواكن ويخلقون مشهدية أخاذة وهم يختالون على الركح.
لكل عازف تعبيراته الخاصة ولكنها حينما تتوحد تبدو وكأنها انبعثت من روح واحدة تتجاور فيها الأصوات الغربية مع المقامات الشرقية، ويصير البوق ذو الربع نغمة حاملا لموسيقى لا تشبه إلا تفرده.
وفي “أبواق مايكل أنج” يحتفي معلوف بالاختراع الموسيقي الفريد لوالده: البوق بربع نغمة الذي يتجاوز التدرجات الغربية الضيقة ليحتضن المدى المقامي الشرقي ويتخطى التقني ليحمل في طياته شغفا ومحبة وجسرا يمتد بين جيلين؛ من الأب إلى الإبن.
إيقاعات تتقاطع فيها ضربة الطبلة الإفريقية مع لحن الكورا المثير للذكريات والأصوات الكلاسيكية والجاز وغيرها من موسيقات العالم تصاعدت فيما عاضدتها خطوات راقصة إفريقية على الركح في مشهدية تشابك فيها الرقص والموسيقى في لغة فنية تتخفف معها الروح من أثقالها وتستسلم للخيال.
“اللغة” التي يعزفها معلوف غير قابلة للتصنيف، إنما تجد صداها في الجوارح عبر خفقة جاز ورجفة طرب ولهفة بحث دائم عن المعنى في سيرورة يستكشف فيها معلوف العالم ونفسه عبر البوق.
رقصات توشحت بمسحة إفريقية وإسبانية وشرقية تواترت على الركح في لوحات سمعية بصرية حسّية بدا معها ألبوم ” أبواق مايكل أنج” بوابة يطل منها معلوف على العالم وهو يرفع البوق ليروي قصصا لم تُحك بعد.
تماه بين البعد التقني والذكريات وبين الطفولة والحنين وبين الفني والإنساني سرى طيلة العرض الذي يعكس محاولة جريئة لصياغة أقوال البوق حينما تنصهر فيه روح الأب وابنه وتغدو كل نغمة بمثابة خيط يربط بين أجيال، وقارات وثقافات.
وراء كلّ نغمة عزفها معلوف، احتفاء بالآلة التي اخترعها والده لتُترجم الأحاسيس الشرقية في لغة موسيقية يستدعي تجسيدها شغفا جماعيا يتحول معها البوق إلى برزخ تتبدى فيه موسيقى متحررة من التصنيفات موغلة في الإنسانية.
داخل موسيقاه، تذوب الجغرافيا وتتماهى الألوان، ويترجم البوق الحلم وتتراءى روح نسيم معلوف الذي اخترع آلة لا تحتمل الكذب، ولا تعرف الحياد، ولا تخشى أن تقول ربع النغمة، ونصف الحزن، وكلّ الحقيقة.
أصوات مفتوحة على كل الاحتمالات تجاورت فيها آلات مختلفة تشابكت في لحظات صدق صارخة، وبين الهدوء والغضب والسكينة والصراخ والفرح والمقاومة تأرجحت الموسيقى ورسمت لها وجوها كثيرة تلألأ فيها الوجع في عيون الأطفال في غزة وانسابت فيه الموسيقى لتربت على الضمائر المثقلة بالعجز والقهر.
“تحيا فلسطين” تعالت أصوات الجمهور في تناغم مع الموسيقى التي كانت بلسما لجراح تتفتح أكثر فأكثر كلما دنت من الالتآم وغابت في مساحات معلقة بين الصمت والصوت وباحت الأبواف بما عجزت عنه الألسنة.
في قرطاج، كان الجمهور شريكا في عرض إبراهيم معلوف تحرّك، تمايل، غنّى، وصفّق، وتأمل وتنفس طويلا بعد كتمان، جمهور نوعي التقط رسائل العرض عن الحلم والحرية والخب والشغف.
ولحظة استعادة أغنية “سألوني الناس” التي لحن زياد الرحباني كلماتها عام 1972 تحول مسرح قرطاج الأثري إلى مساحة وداع يليق بفنان لا يتكرر وصدح البوق بنعيه وتسللت الكلمات من شفاه الجمهور.
لم يكن مجرد تكريم لزياد الرحباني يوم رحيله عن هذا العالم بل كان اعترافا وعرفانا بأن الأصول لا تموت واستحضارا لصوت يضع العالم تحت المجهر، وذكرى لفنان ترك الأثر.
ومهرجان قرطاج الدولي في عرض الفنان إبراهيم معلوف لم يكن مجرّد محطة ضمن جولة عالمية بل مساحة صدحت فيها موسيقى كل الأرض وطنها توقف فيها صانعها ليترك نورا وسؤالا وارتباكا وأثرا.
بعد عرضه لا تخرج كما دخلت، قطعا ستؤوي داخلك نغمة ما، حدثا مل، وفكرة مغايرة عن الفن، عن ماهيته وعن دوره وقدرته على إعادة ترتيب الفوضى، وتخزن صورة معلوف وهو يلوح ببوقه كما لو كان عصا سحرية توقظ العاطفة الخام.