أطلقت الجمعية التونسية للطبّ النفسي للأطفال والمراهقين، عشية اليوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025، بالمجمّع العلمي لمستشفى الرازي بمنوبة، أوّل دليل وطني للتوصيات العلمية في مجال التعهّد والتكفّل باضطراب طيف التوحّد، في خطوة وُصفت بالمفصلية لتحسين جودة الرعاية الصحية الموجّهة للأطفال والمراهقين المصابين بهذا الاضطراب.
وانتظم بالمناسبة لقاء رسمي أشرف عليه المدير العام للطبّ المدرسي والجامعي بوزارة الصحة لطفي بن حمودة، والمديرة العامة لمستشفى الرازي نعيمة توجاني، بحضور أعضاء الجمعية التونسية للطبّ النفسي للأطفال والمراهقين، إلى جانب النائبة بمجلس نواب الشعب أسماء درويش، وعدد من الإطارات الصحية والمهنيين المختصين.
دليل أوّل من نوعه ومنهجية علمية دقيقة
وفي تصريح خاص لرياليتي أونلاين، أوضحت رئيسة الجمعية ورئيسة قسم الطبّ النفسي للأطفال والمراهقين بمستشفى الرازي، الدكتورة أسماء بودن، أنّ هذا الدليل يُعدّ الأوّل من نوعه في تونس في مجال الممارسات السريرية الخاصة باضطراب طيف التوحّد، وقد تمّ إنجازه وفق منهجية علمية دقيقة وبالتعاون مع الهيئة الوطنية للتقييم والاعتماد في المجال الصحي. وأضافت أنّ الدليل يضمّ أكثر من 100 توصية علمية تغطّي كامل المسار العلاجي، من التقصّي المبكر والتشخيص، إلى التدخّل التربوي والعلاج الدوائي والأساليب التأهيلية، مع تحديد المحظورات في التعامل مع الحالات.
وبيّنت بودن أنّ اضطراب طيف التوحّد يُعدّ اضطرابًا نمائيًا عصبيًا يظهر عادة في مرحلة الطفولة المبكرة، قبل سنّ الثلاث سنوات، ويتجلّى أساسًا في صعوبات التواصل والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب سلوكيات واهتمامات تكرارية واضطرابات حسّية، مؤكدة أنّه يؤثّر بشكل مباشر على اندماج الطفل داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وعلى تطوّر الكلام والتعلّم والاستقلالية الذاتية.
عمل جماعي وخبرات متعددة
وأشارت رئيسة الجمعية إلى أنّ إعداد الدليل انطلق منذ سنة 2024، وهو ثمرة عمل فريق متعدّد الاختصاصات يضمّ أكثر من 60 خبيرًا من مجالات الطبّ النفسي، وطبّ الأطفال، والتربية، والتقويم، والاختصاصات ذات الصلة، وقد صادقت عليه الهيئة الوطنية للاعتماد في المجال الصحي، بالاستناد إلى أحدث المراجع العلمية الدولية، من بينها دليل سنغافورة، إضافة إلى آخر نتائج الأبحاث العلمية إلى غاية سنة 2025.
وأكدت أنّ الدليل يهدف إلى إرساء إطار مرجعي رسمي موحّد، يُساعد مهنيي الصحة على اتخاذ قرارات سريرية قائمة على الأدلة العلمية، ويُسهم في توحيد الممارسات الطبية في مختلف جهات البلاد، لا سيما في المناطق التي تعاني نقصًا في الموارد البشرية المختصّة، مع التشديد على أهمية التكوين المستمر لمهنيي صحة الطفولة المبكرة بالمراكز الصحية الأساسية.
من جهتها، أفادت الدكتورة الشرفي أنّ الدليل يُعدّ مرجعًا شاملًا وغنيًا بالمعلومات، ويتناول مدى انتشار اضطراب طيف التوحّد، وأسبابه الجينية والبيولوجية والبيئية، وأساليب التقصّي المبكر، وطرق التدخّل والعلاج، إلى جانب دعم الأولياء والعائلات. ولفتت إلى أنّ النسبة التقديرية للأطفال المصابين في تونس تقارب 1%، وهي نسبة مماثلة لما تشير إليه الدراسات العالمية، مبرزة أنّ بعض الحالات يمكن إدماجها في المدارس العادية، في حين تحتاج حالات أخرى إلى دعم متخصص في النمو اللغوي والذهني.
دعم الأولياء والمتدخلين في المنظومة
وفي السياق ذاته، شدّدت الدكتورة أُنس نويرة، الطبيبة النفسية للأطفال والمراهقين وأمينة مال الجمعية، على أهمية هذا الدليل في توفير أرضية علمية موحّدة لكلّ المتدخلين في هذا المجال، من أطباء نفسيين وتربويين وأخصائيي تقويم ومهنيين صحيين، مؤكدة أنّه يقدّم أحدث المعطيات العلمية حول كيفية التقصّي المبكر والتشخيص والتعهّد الشامل بالأطفال المصابين باضطراب طيف التوحّد.
افتتاح وحدة نموذجية بمستشفى الرازي
وعلى هامش هذا الحدث، تمّ كذلك افتتاح وحدة “بافلوف” بقسم الطبّ النفسي “ت” بمستشفى الرازي، بعد تهيئتها بكلفة ناهزت 750 ألف دينار. وتبلغ طاقة استيعاب هذه الوحدة، المخصّصة للنساء، 25 سريرًا، وتُعدّ وحدة نموذجية يُنتظر أن تكون مثالًا يُحتذى به في تهيئة بقية الأقسام، مع احترام المعايير المعتمدة في الطبّ النفسي والحفاظ على خصوصية الاختصاص.

ويُجمع المتدخلون على أنّ إطلاق هذا الدليل يمثّل خطوة أساسية نحو تحسين رعاية الأطفال والمراهقين المصابين باضطراب طيف التوحّد، وتوحيد المسارات التشخيصية والعلاجية، بما يضمن مسارًا أوضح وأكثر تنسيقًا وإنصافًا للأطفال وأسرهم، ويعزّز حقّهم في الإدماج المدرسي والاجتماعي وجودة الحياة.
أميمة زرواني