في فيلمها القصير “ارتزاز”، تذهب الكاتبة والمخرجة السعودية سارة بالغنيم إلى منطقة شديدة الحساسية في الوعي الاجتماعي الخليجي، حيث يتحوّل الزواج من خيار شخصي إلى سباق علني، ومن علاقة إنسانية إلى طقس استعراض خفيّ تمارَس فيه السلطة الاجتماعية بوجوه ناعمة، نسائية في الغالب، لكنها لا تقل قسوة.
ويلقي “ارتزاز” الضوء على إحدى الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالزواج، لا من بوابة الرومانسية أو التقاليد المتعارف عليها، بل من هامش مربك: العزاء النسائي، مكان يفترض فيه الصمت، والحداد، والتواري، لكنه يتحوّل في الرؤية الإبداعية لسارة بالغنيم إلى مسرح عبثي للظهور، أو ما يُعرف محليًا بـ”الترزز”: أن تكون مرئيًا، مُلاحظًا، وقابلًا للاختيار.
هذا الاختيار المكاني لم يكن اعتباطيًا فأن تُمارَس عادات “التسويق الاجتماعي” في أكثر اللحظات الإنسانية هشاشة، هو ذروة المفارقة التي يبني عليها الفيلم منطقه الساخر فهنا، لا يعود الموت نقيضًا للحياة، بل مناسبة أخرى لإعادة إنتاج الضغط الاجتماعي ذاته.
وتدور أحداث الفيلم في الرياض، حيث نلتقي بأمٍّ محبطة تضغط على ابنتها المترددة “جوجو”، مطالبة إياها بالاقتراب من سيدة ثرية فقدت زوجها للتوّ، لعلّ الحضور في هذا المشهد يفتح بابًا لفرصة زواج محتملة. الأم، التي تعكس هاجس جيل كامل، تخشى أن “يفوتها القطار” ، تلك العبارة المتداولة بكثافة في المجتمعات الخليجية، وخاصة بين النساء الأكبر سنًا.
في المقابل، تمثل جوجو جيلًا آخر، جيلًا لا يرى في هذا القطار خلاصًا، ولا يرغب في الركض خلفه. لكنها، وتحت وطأة الإحراج والضغط، تقرر أن تفعل “كل ما يلزم” لتبرئة أمها من هذا القلق الاجتماعي، لتبدأ رحلة داخلية تضعها وجهًا لوجه مع سؤال القيمة الذاتية:
هل تُقاس قيمة الإنسان بنظرة المجتمع؟ أم بقدرته على أن يكون نفسه؟
وعن اسم الفيلم، تشرح سارة بالغنيم أن فكرة الفيلم بدأت من المفهوم ذاته قبل أن يستقر الاسم لاحقًا. و”الترزز”، أو الارتزاز، هو الظهور بقصد أن يلاحظك الآخرون، أن تُلتقط كفرصة، كاحتمال، زواج، وخطبة، أو حتى مجرد تقييم اجتماعي عابر.
كما تقول إن كثيرًا من النساء – خصوصًا في مجتمع الخليج – يتبعن هذا “القطار”، مدفوعات بالخوف من التأخر، من الخروج عن السرب، لكن الفيلم، في جوهره، جاء من موقع معاكس: من جيل لا يريد أن يركض، ولا يرى في السباق معنى.
رغم أن القصة محلية للغاية، عزاء نسائي، لهجة، تفاصيل اجتماعية دقيقة، إلا أن بالغنيم تقول إن “ارتزاز” ليس فيلمًا عن الزواج فقط بل عن إرضاء المجتمع على حساب الذات، عن ذلك التنازل الصامت الذي يقدمه الأفراد يوميًا كي يحافظوا على قبولهم الاجتماعي.
الفيلم يتجاوز المرأة بوصفها الضحية الوحيدة، ليشير إلى أن الضغط الاجتماعي منظومة شاملة، تطال النساء والرجال معًا.
والفيلم يحيل إلى أن الجميع مطالب بأن يدخل “سباق الغابة”، أن يثبت نفسه، أن يكون جديرًا بالاختيار، سواء من المجتمع أو من شريك الحياة.
من هذا التناقض، تولد الكوميديا، ليست كوميديا الضحك السهل، بل السخرية التي تكشف العيب دون أن ترفعه شعارًا.
ورحلة جوجو هي رحلة اكتشاف، لكن أيضًا رحلة تفكيك فكلما حاولت أن “تترزز”، كلما اقتربت من فهم عبثية اللعبة ذاتها.
اختيار المكان غير المناسب، العزاء، يمنح الفيلم قوته الرمزية: فالترزز لا يتوقف، لا يحترم الزمن ولا السياق، يتسلل إلى الأفراح كما إلى المآتم، وهذا ما يجعل الفيلم مرآة قاسية، لكنها صادقة.
وتأتي تجربة “ارتزاز” في سياق تحولات لافتة تشهدها السينما السعودية في السنوات الأخيرة، تغييرات عديدة، وفرص تعليم، ومهرجانات، وجمهور متعطش لرؤية قصصه على الشاشة.
وفي هذا السياق تؤكد سارة بالغنيم أن هذه المرحلة مشجعة، لكنها أيضًا أكثر تنافسية، مع حضور متزايد لصناع أفلام من النساء والرجال، مشيرة إلى أن الفيلم حظي بدعم من مركز إثراء، الذي آمن بالمشروع دون أي تدخل.
وفي المحصلة يأتي “ارتزاز” ليشكل صورة عن معنى الاختيار : من يختار؟ ولماذا؟ وعلى أي حساب؟ وهو عمل يضع المجتمع أمام مرآته، ويمنح الشخصية الرئيسية – ومن خلالها المشاهد – فرصة لإعادة تعريف القيمة، بعيدا عن القطار، وبعيدا عن الضجيج.