منذ يومين، نفت وزارة الداخلية رواية استهداف سفينة “فاميلي” التابعة لأسطول الصمود العالمي الراسية بميناء سيدي بوسعيد بمسيرة، وذلك بعد اندلاع حريق بها إثر سقوط جسم خارجي على متنها.
الحادثة نفسها تكررت تقريبا بنفس الحيثيات لكنها طالت سفينة “ألما” لتأتي رواية الداخلية هذه المرة بعد ساعات طويلة على عكس الأولى لتقر بوجود اعتداء مدبر.
اعتداء مدبّر على سفينة راسية في ميناء سيدي بوسعيد يعني أن المسألة لا تتعلق بعطب عرضي ولا حادث عابر بل بفعل محسوب بدقة ينطوي على تخطيط وتواطؤ وتنفيذ.
في مطلع البلاغ تصطدم عينيك بمفردتي”اعتداء مدبّر” في اختيار لغوي يخلع عن الحادثة لباس الصدفة ويلبسها جبة المؤامرة ومن ثم يردفها ب”كشف الحقائق كلّها”، “من خطط، من تواطأ، من تولى التنفيذ” وهي مفردات توحي بأنّ الملف لا يتعلّق بشخص منفرد بل بشبكة.
وصياغة البلاغ، التي تبدو مألوفة جدا، توحي بأن الرهان ليس داخليًا فقط بل له امتداد خارجي، فهو لا يخاطب فقط الرأي العام التونسي، بل يصرّح بأنّ “العالم كلّه” معني، في تلميح إلى أنّ ما حدث يتجاوز حدود الوطن تونس ليتماهى مع السردية الدولية.
ومن هذا المنطلق تتكثف القراءات والدلالات فالاعتداء طال سفينة من أسطول الصمود الذي سيشق عباب البحر لكسر حصار جاثم على صدر غزة بكل ما يحمله ذلك من محاولة لإخماد وهج التضامن، وللتشويش على رمزية الحركة التضامنية في بلد تعلن عداءها الصهاينة شعبا وسلطة.
لغة البلاغ بدت أقرب إلى إعلان سياسي منها إلى خبر أمني وتنم عن حرص على تثبيت موقف تونس : هذا اعتداء، ونحن سنكشف الفاعلين، وهو ما يضع الدولة في موقع الفاعل لا المتفرج على الأقل في هذه المرحلة.
لكن ما لم يُقل في البلاغ لا يقل أهمية عمّا قيل إذ لم يوضّح نص الوزارة طبيعة الاعتداء: هل هو تفجير؟ تخريب مادي؟ محاولة إحراق؟ هذا الغموض يترك الباب مفتوحًا على كل التأويلات، ويزيد من ثقل الحادثة.
كما أنّ البلاغ لم يلمح لأيّة جهة مشتبه بها، بل اكتفى برسم ثلاثية “التخطيط، التواطؤ، التنفيذ”، وكأنّه يشير إلى بنية سرّية لا إلى فرد واحد، وهو ما ستكشف عنه التحقيقات، وفق نص البلاغ.