حطّت مسرحية “اعتراف” للمخرج محمد علي سعيد الرّحال هذه المرّة بمدينة أكودة حيث تم تقديمها مساء اليوم السبت 24 أكتوير 2025 ضمن فعاليات ملتقى الفنون الذي تحتضنه دار الثقافة بالجهة. ولئن كانت ظروف العرض صعبة نسبيا بالنظر إلى متطلباته التقنية خصوصا على مستوى الإضاءة، فإن الثلاثي ناجي قنواتي وفاتن الشرودي وحمودة بن حسين نجح في كسب التحدّي وتقديم مشاهد كشفت عن مخزونهم الفني الرهيب والملكات الذهنية الهامة والملفتة للانتباه.
يقول الحكيم الصيني ومؤسِّس الفلسفة الطاوية لاو تسو في إحدى حكمه “الحكيم ينتقم للإهانات اللاحقة به بالمكرمات”، ولعل هذا الانتقام هو من أشد الأشكال قسوة نفسيا. غير أن الدرس الذي قدّمته “دنيا” أم الضحية الثالثة في قائمة ضحايا المغتصب والقاتل (ناجي القنواتي) في معنى الانتقام فاق درجة الحكمة وتعالى عن كل الحدود والتصّورات. انه الانتقام عبر الغفران. نعم هو كذلك. أن تمنح عدوّك وقاتل فلذة كبدك ومن اغتصبها بوحشية صك الغفران وتقول له “لقد عفوت عنك”، هو أعظم انتقام. ذلك ما صوّره لنا محمد علي سعيد في مسرحيته المقتبسة عن “انتقام الغفران” أحد أعمال الكاتب الفرنسي إيريك إيمانويل شميت في دراماتورجيا ملهمة ومشوقة خطّها مخرج العمل بطريقة نجح من خلالها في محاكاة الفكرة الأصلية ومجاراتها بل وفي تقديمه في شكل تمتزج فيه الاثارة بالابداع. كيف لا وهو أحد عشاق الكاتب إيريك إيمانويل شميت والمتأثرين به وبفلسفته الوجودية القائمة على الغوص في أغوار الشخصية والتقليب في اعتمالاتها النفسية ناهيك أنه اقتبس عنه نص “أوسكار والسيدة الورديّة” في مسرحيته الناجحة “عقاب جواب” وكذلك مسرحيته “جرائم زوجية” التي نجح من خلالها سعيد في نفض الغبار عن القدرات الفنية الخفية التي كان يمتلكها فقيد الساحة المسرحية المرحوم توفيق البحري من خلال أدائه لدور مختلف تماما عن النمط الذي عرفه من خلاله جمهوره الكبير.
“اعتراف” : مرحبا في الجحيم !
تدور أحداث هذا العمل المسرحي الحائز على جائزة حسن إخراج ضمن المهرجان الوطني للمسرح التونسي “مواسم الإبداع” وجائزة أحسن ممثل في أيام مهرجان قرطاج المسرحية وجائزة اتحاد الفنانين التونسيين ضمن سياقات زمنية متقاربة جدا وفي أطر مكانية محدودة . وقد نجح المخرج من خلال الاعتماد على نسق اضاءة مدروس بدقة كبيرة وكذلك الشأن أيضا بالنسبة للمؤثرات الصوتية والموسيقية في إضفاء طابع خاص يتماشى مع طبيعة هذا العمل.
كما نجح أبطال هذا العمل في استثمار السينوغرافيا المتقنة لتحويل هذه الحادثة الحقيقية والذي دارت أطوارها في فرنسا إلى قصة ملهمة وجب الوقوف عند تفاصيلها وتحليل جوانبها واستخلاص العبر منها. فشخصية القاتل “وسام”، ذلك اللقيط الذي تخلت عنه أمه منذ الصغر والذي حوّل، في ردة فعل يائسة وانتقامية حياة خمس عشرة فتاة إلى جحيم قبل أن يريح ضحاياه من عذاب الاغتصاب بإزهاق أرواحهن بكل برودة دم، هي شخصية تعكس ما يدور في ذواتنا من شرور. هذا “النمر” الذي وضع لنفسه ولأعدائه حدودا لا يكادون يلمسونها حتى يلاقوا الموت هو انعكاس لظلم البشرية والجانب المظلم منها. فلكل شخص شخصية متمردة وثائرة تحتكم على قدرة رهيبة في ترويض الشر حينا واظهاره حينا آخر.
اعترافات ام ضحيته وصراعها مع ضميرها المستتر حينا والظاهر أحيانا أخرى في شكل راوٍ (حمودة بن حسين) اختلطت وامتزجت باعترافاته الكثيرة والمثيرة والمؤثرة لتكون مزيجا من المشاعر المتناقضة والمتضادة انتهت بجعل الغفران ضربا من ضروب الانتقام وشفاءا لجروح تأبى أن تندمل رغم مرور الزمن. لم يكن الجلاد التائب بعد حين على يدي هذه المرأة “اللعوب” التي كادت أن تلتحق بقائمة ضحاياه لولا فراستها ودهائها وإصرارها على جرّ “ضحيتها-الجلاد” الى مربع الانتقام بالغفران جرّا والقائه خارج عالم السجن الذي حوله إلى حمل وديع مثير للشفقة ليصل الى هذا الحد من الانكسار لو لم تحول ضحيته انكسارها الى قوة وبطش. كذا هي النفس البشرية التي تتحول حسب الوضعيات والظروف من نفس سوية الى أخرى أمارة بالسوء بل والى اسوء من السوء ذاته…
لقد نجحت “الضحية” في تحويل وجهة هذا الجلاد الثائر على طفولته والحاقد على كل نفس أنثوي من فرط الذل والمهانة والاستغلال الجنسي الذي عاناه بعد أن ألقي به في دار الأيتام وقبل أن يقضي فترة من صباه مسلوب الحرية خلف القضبان، في معركة الكر والفر النفسي الذي خاضتها مع جلادها الذي تحول فجأة الى ضحية يبحث عن ملاذ آمن يقيه آلام الصراعات التي يخوضها داخل ذاته. أن تصبح ضحية بعد اختبار دور الجلاد هو ضرب من ضروب العبث والخروج عن المنطق وكسر كل قواعد المألوف.
غير أن هذا الجلاد الذي ارتأى لنفسه مكانا قصيّا لم يكن ابدا زاهدا في الدنيا… فحبه لها فاق استنكاره لما قد ارتكبه من جرائم مشينة ولا انسانية… ومحاولة تبرّئه من ماضيه المشين واستماتته في البحث عن خلاصه ونجاته اوقعت به في آخر المطاف في شر أفعاله عبر اجتياز بوابة الغفران التي فتحتها له أم ضحيته “ايمان” على مصراعيها لتستقبله الدنيا بأحضانها وترمي به في جحيمها. انه جحيم الغفران حيث الانتقام هو المصير المحتوم.