فيما تتزاحم لفحات البرد خارجها، توشحت مدينة الثقافة بهالة من الدفء وهي تحضن افتتاح دورة جديدة من أيا قرطاج المسرحية، وتتقد واتقدت وهجا وهي تزدحم بالوجوه القادمة من تونس وخارجها.
كانت الأضواء تُضيء الممرات كما لو أنها تُنعش ذاكرة جماعية تعرف جيدا أنّ أيام قرطاج المسرحية ليس احتفالًا عابرًا بل طقسًا يعود ليؤكّد نفسه كلّ عام ويحمل معه نفحات الحنين والالتزام.
وفيما امتلأت قاعة الأوبرا بفنانيت ومبدعين ومثقفين، أعلن المدير الفني للدورة السادسة والعشرين عن بداية فصل جديد من حكاية تمتد على عقود بطلها المسرح الذي مانقك يشكل مساحة للحلم وللاحتجاج ولإعادة الإنسان إلى قوته الأولى.
وفي سياق متصل، تطرق العرقي للعروض المسرحية سواء من تونس أوالعالم العربي وإفريقيا والعالم، مشيرا إلى أنها تحمل رؤى وتجارب تتقاطع كلها عند سؤال الإنسان المعاصر، الإنسان الذي يبحث عن معنى وسط العزلة والخوف.
ولم ينس مدير الدورة التوقف عند غزة، عند جرح مفتوح في الوجدان الإنساني، مؤكدًا أن الفن فعل مقاومة، وأن الضوء الذي يشع من الخشبة قادر على أن يكون موقفًا في زمنٍ يزداد فيه الظلّ كثافة.
ثمّ قدّم ملامح الدورة الجديدة التي حافظت على أقسامها الثابتة، وأضافت هذا العام المنتدى المسرحي الدولي في نسخته الأولى تحت عنوان: “الفنان المسرحي: زمنه وأعماله”. وهو فضاء للحوار ولتفكيك علاقة المبدع بزمنه وأدواته وأسئلته.
وإلى جانب ذلك، تضم الأيام سبع ورشات تطبيقية وملتقى للبحوث المسرحية لرسائل الدكتوراه، في إشارة واضحة إلى أن المسرح لا يقوم بالعروض فقط، بل بالمعرفة أيضًا.
وكان الافتتاح مناسبة لتكريم مجموعة من القامات العربية والإفريقية والتونسية ممن منحوا المسرح جزءًا من أعمارهم وتركوا أثرًا لا يُمحى.
ومن بين المكرَّمين لطيفة أحرار من المغرب، وعماد محسن علي الشنفري من سلطنة عمان، وعبد الرحمان كاماتي من الكوت ديفوار، والتونسيون ليلى الرزڤي وفتحي العكاري وعلي الخميري ولزهاري السباعي وسليم الصنهاجي وهادي بومعيزة.
ولم يخْلُ الحفل من لحظة وفاء للمبدعين الراحلين : أحمد حاذق العرف، وفتحي الهداوي، ومحمد فاضل الجزيري، وأنور الشعافي، وفرج شوشان، وعبير الجبالي، وعمارة المليتي، وصالح البورجيني، ومختار مليح، وتوفيق الهمامي، ومحمد علي بالحارث… أسماء تصعد في الذاكرة عند كل حدث مسرحي وكأن رحيلها لم يكتمل.
وسبق الافتتاح الرسمي عرض موسيقي في شارع الحبيب بورقيبة بعنوان “جلود”، قدّم بلغة فنية تمزج بين الهوية التونسية والعربية والإفريقية، في حوار موسيقي أعاد للشارع نبضه الأول.
وفي لحظة تعامد فيها الفن مع الحنين، امتلأت قاعة مسرح الأوبرا بجمهور جاء ليشهد حضورًا استثنائيًا: الفنان الكبير يحيى الفخراني يعود إلى تونس بعمل أيقوني هو “الملك لير”، في نسخة مصرية ضخمة لتراجيديا ويليام شكسبير، من إخراج شادي سرور وإنتاج المسرح القومي المصري.
وكان دخول الفخراني إلى الركح أشبه بارتجاج خفيف في القاعة؛ فالرجل ليس مجرّد ممثل مخضرم، بل ذاكرة عربية تمشي على الخشبة، وقد حمل شخصية “لير” كما لو أنه يحمِل عمرا كاملً من التجارب، بصوت يفتح النص الشكسبيري على راهنية لا تخفى، وبحضور مسرحي نادر جعل الجمهور يتابع العرض بدهشة وشغف.
وكان واضحًا أن اختيار هذا العرض للافتتاح لم يكن اعتباطيًا: فـ“لير” في تمزقه وهشاشته وسلطته المكسورة يشبه الإنسان العربي في قلقه وأسئلته، ويشبه أيضًا المسرح حين يقرّر أن يقول الحقيقة من دون أقنعة.
وفي الوقت نفسه، احتضنت قاعة مسرح سينما الريو العرض الافتتاحي الثاني، حيث قدّم الثنائي جليلة بكار والفاضل الجعايبي عملهما الجديد “(ال) حلم… كوميديا سوداء”، في صيغة مسرحية تواصل مشروعهما في مساءلة الواقع بأساليب درامية وجمالية دقيقة.
وتواصل الدورة السادسة والعشرين من أيام قرطاج المسرحية برنامجها بثلاثة عشر قسمًا متنوعًا يضم 12 عرضًا في المسابقة الرسمية، و15 عرضًا ضمن مسرح العالم، و16 عرضًا تونسيًا، و6 عروض عربية وإفريقية، و12 عرضًا للأطفال والناشئة، و6 عروض للهواة، و16 عرضًا ضمن “مسرح الحرية” الموجّه للأعمال المنتَجة داخل السجون ومراكز الإصلاح.
وتتنافس الأعمال على سبع جوائز تشرف عليها لجنة تحكيم دولية برئاسة لسعد بن عبد الله. وتحضر تونس هذا العام في المسابقة عبر مسرحيتي “الهاربات” لوفاء الطبوبي و”جاكراندا” لنزار السعيدي، بعد تتويجهما مؤخرًا في المهرجان الوطني للمسرح التونسي.
وبعد افتتاح يحمل ملامح ثلاثة: الفنّ في بهائه، والحنين في ثقله الجميل، والالتزام في ضرورته القصوى، تتيح أيام قرطاج المسرحية لجمهورها فسحة الانغماس في تجارب تتجاوز حدود الأمكنة والأزمنة حيث يظل المسرح قادرا على أن يلتقط الإنسان من عزلته ويعيده إلى دائرة الضوء.