في “كان يا مكان في غزة” يفتح الإخوة ناصر ، عرب وطرزان (إخراج) وعامر (سيناريو) السرد من زاوية أخرى، من حياة الإنسان الغزّاوي قبل الإبادة، من يوميّاته، وهشاشته، وسخريته السوداء في مواجهة واقع لا إنساني.
في حوار مع رياليتي أون لاين، إثر عرض الفيلم في أيام قرطاج السينمائية، يتحدّث الإخوة عن غزة بوصفها مكانًا مسكونًا بالذاكرة والاختناق، وعن سينما تحاول كسر الصورة النمطية للفلسطيني التي تنسينا أنه إنسان يعيش بين أحلام مؤجّلة وخيارات محدودة.
عن خيار العودة إلى غزة 2007 تحديدً وعما تمثّله هذه اللحظة في وعيهم، قال عرب ناصر إن العالم قرّر فجأة أن يبدأ التاريخ من 7 أكتوبر، وكأن مئة عام من المأساة الفلسطينية لم تكن موجودة: من 1936 إلى 1948، وما تلاهما.
في سياق متصل، أشار إلى أن عام 2007 كان لحظة مفصلية في القضية الفلسطينية، وفي تاريخ قطاع غزة تحديدًا، حين قررت “إسرائيل” فجأة أن تعتبر غزة كيانًا معاديًا، وفرضت عليها حصارًا كاملًا على مرأى ومسمع من العالم، دون أن يتدخل أحد ليسأل: لماذا؟ وما المبرر؟
وقال “تمّ وضع مليونين ونصف المليون إنسان، بأحلامهم وطموحاتهم، داخل سجن مغلق، أُحيط بجدار عازل. هذا الجدار الذي دمّره الفلسطيني في 7 أكتوبر، فلامه العالم بدل أن يسائل أصل الجريمة.”
وتابع بالقول “ما يهمّنا هو تسليط الضوء على حياة الإنسان في غزة قبل الإبادة: كيف كان يعيش، كيف كان يصمد، وما هي خياراته في الحياة. أردنا أن نروي حياة الإنسان الغزّاوي بمعزل عن السياسة وبعيدًا عن الكليشيهات.”
وعما إذا كان السرد غير الخطي ذي المنحنى الدائري محاولة لمحاكاة ذاكرة المكان أم انسداد المصير، قال طرزان عرب “كتب أحد النقاد أن غزة تشبه أسطورة سيزيف: حجر ثقيل يرفعه الفلسطيني إلى قمة الجبل، لا يقوى على حمله، فيتدحرج، ليعود ويحمله من جديد.
هذا هو تاريخ الفلسطيني: تاريخ معاناة واحتلال يتكرر حتى اليوم، لتأتي هذه الإبادة كذروة مأساوية جديدة.الفلسطيني يعيش داخل دوّامة لا تنتهي.”
وأشار إلى أن غزة تسجّل أعلى نسب مرضى السرطان في العالم، وفي الوقت نفسه واحدة من أعلى نسب التعليم، ومع ذلك يُمنع الإنسان فيها من السفر، بل إن الاحتلال يتحكم حتى في عدد السعرات الحرارية التي تدخل إلى القطاع.
وتابع ” إنها فكرة السجن/الجحيم، وقلّة الخيارات. في “كان يا مكان في غزة” نطرح شخصية تاجر مخدرات فُرض عليه هذا المسار كفرصة وحيدة للعيش. “إسرائيل” منعت كل شيء، وفي الوقت نفسه أدخلت المخدرات.
لكن هؤلاء في النهاية أشخاص، بشر مسالمون، محبّون للحياة، ونحن نسلّط الضوء على هذه الحياة.”
وعن العنوان الذي يحيل إلى الحكاية الشعبية باستهلال “كان يا مكان” وعما إذا كان يستدعي مفارقة ساخرة أمام واقع لا يشبه الحكايات، قال عامر ناصر ” لم نختر عنوان “كان يا مكان في غزة” عبثًا. كل شيء أصبح في الماضي، والكوميديا الموجودة في الفيلم نابعة من واقع حقيقي: الغزّاوي اعتاد أن يعيش المأساة عبر السخرية، و”شرّ البليّة ما يضحك”، لذلك هي كوميديا سوداء.
وأضاف “الشخصيات الثلاث يمكن أن توجد في أي مكان في العالم… شخصية تاجر المخدرات تحمل مساوئ ومحاسن، لكنها ترفض المكان الذي وُضعت فيه. هو شخص يرقص، يغنّي، حساس، إنساني، لكن صراعاته ناتجة عن الاحتلال.”
وأوضح أن “الخيارات أمامه ضيّقة جدًا. تجارة المخدرات في غزة لا تحيل إلى المافيات، ولكن “إسرائيل” هي من تضخّ المخدرات، في حين تحاول الحكومة والشعب منع هذه الآفة التي تهدف إلى تغييب الوعي”
وعن تقديم صورة مغايرة لغزة، قال عرب ناصر إن مشكلة العرب والعالم أنهم يرون الفلسطيني كـإنسان مقدّس من خلال شاشات التلفزيون والإعلام والميدان، لكن أحدا لم يسأل الفلسطيني، أو الغزّاوي تحديدًا: كيف تريد أن نحكي عنك؟
وأضاف “غزّاويون شاهدوا الفيلم وقالوا لنا: “أخيرًا رأينا من يحكي عنا”، وهذا بالنسبة لنا مسؤولية كبيرة، وخيار ليس سهلًا، لأنك اليوم تكسر صورة نمطية راسخة..الجانب الإنساني في الفيلم قد يصدم بعض المشاهدين، خاصة في ظرف الإبادة.من يذهب لمشاهدة الفيلم قد يتوقع أنه يتحدث عن الإبادة، لكننا نقدّم الإنسان ما قبل الإبادة: كيف كان يعيش، وكيف كان يرى الحياة.”
واتفق الإخوة ناصر على أن هناك استراتيجية دائمة لإبقاء الفلسطيني في صورة الضحية والبكاء وإثارة الشعور بالذنب وعلى أن الفلسطيني كإنسان صاحب حق، لديه طموحات وأحلام وأفكار، ويسعى لتحقيقها في واقع لا إنساني لا يسمح بذلك.
وأكدوا في حديثهم مع رياليتي أون لاين ” نحن لا نقدّم صورة نقدية أو خطابية، بل صورة حياتية لإنسان يعيش في ظرف لا إنساني.”
وفي ما يخص الموسيقى، أكد طرزان ناصر إنها كانت جزءًا أساسيًا من السرد، قائلا”اشتغلنا مع الموسيقار الرائع أمين بوحافة على كيف يمكن أن تُروى القصة بالموسيقى، لا بالصورة والضوء والإخراج فقط.في ظرف صعب، قدّم موسيقى رائعة، تُسمَع ويشاد بها، ونوجّه له تحية خاصة.”