بقلم : محمد علي الصغيّر * 
ضمن أشغال ندوة فكرية بعنوان “الإعلام الجهوي بين صعوبة الحصول على المعلومة والالتزام بخدمة المواطن: أيّ معادلة ممكنة؟” التي نظمها، يوم 3 أوت 2025، فرع الوسط والساحل للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين احتفاء بالذكرى 48 لتأسيس إذاعة المنستير، تم تقديم هذه المداخلة لتسليط الضوء على الدور الذي يلعبه الاعلام الجهوي في عملية المساءلة على أداء المسؤولين المحليين والجهويين.
تلعب الصحافة الجهوية والمحلية دورًا أساسيًا في خدمة المواطن لأنها الأقربَ إلى واقِعه اليومي ومشاغِلِه. فهي تمثل همزة وصل بين المواطن وصنّاع القرار على المستويين الجهوي والمحلي. كما تتيح له منبرًا مباشر أو غير مباشرٍ للتعبير عن انشغالاته وآرائِه وتمثّلاتِه للسياسات المحلية ومن ثَمَّ مطالبةَ المسؤولين بالتفاعلِ مع هذه الآراء أو المطالبِ.
ولعلّ من أوكد أولوياتِ الصحفي الجهوي – فضلا عن تغطيته للقضايا التنموية وتسليط الضوء على مشاكل البُنَى التحتية وتعطل الخدمات أو سوء التصرف في المال العام- المساهمةُ بطريقة أو بأخرى في ترسيخ ثقافة المساءلة المواطنية. حيث يعمل من خلال المواضيع التي يتطرق اليها، الى تعزيز وعي المواطن بحقوقه وحثّه على المشاركة في الشأن العام، خصوصا في ظل التقسيم الترابي الجديد القائم على المجالس المحلية والجهوية وهو تقسيم، على هِناته والجدل الذي أثاره، من شأنه تقريب الخدماتِ العامة من المواطن .
ومن أوكد العوامل المساعدة على إتقان هذا الدور وتبليغ هذه الرسالة، فضلا عن الاستقلالية والنزاهة، هو تفاعل السلط والمؤسساتِ مع الصحفي الجهوي من خلال تمكينه من النفاذ الى المعلومات اللازمة لآداء مهمته على أكمل وَجهٍ ودون عراقيل. حينئذ فقط يتحول الصحفي الجهوي من مجرد ناقل للخبر إلى فاعل حقيقي في تعزيز الديمقراطية المحلية والتنمية الشاملة.
غير أن ما نلمسه على أرض الواقع هو عكس ما نصبو إليه في أغلب الأحيان حيث نجد أن الصحفي الجهوي يكابد ويكافح من أجل البلوغ إلى معلومة اما قد يتم حجبها تماما أو يتم تسريب جزء منها وإخفاء الجزء الآخر رغم علم الطرف الحائز لها بأحقية الصحفي في الحصول عليها وذلك طبقا لمقتضيات الأطر القانونية مثل الدستور التونسي (الفصل 38) والقانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة فضلا عن المعاهدات والمواثيق الدولية التي تنص صراحة على حق المواطن في الحصول على المعلومة.
لعلّ من أوكد أولوياتِ الصحفي الجهوي – فضلا عن تغطيته للقضايا التنموية وتسليط الضوء على مشاكل البُنَى التحتية وتعطل الخدمات أو سوء التصرف في المال العام- المساهمةُ بطريقة أو بأخرى في ترسيخ ثقافة المساءلة المواطنية
ويدفعنا هذا الأمر، ومن منطلق تجربتنا المتواضعة، إلى تشخيص واقع النفاذ إلى المعلومة في الصحافة الجهوية الذي تشوبه العديد من الصعوبات على المستوى المؤسساتي والإداري وكذلك الذاتي أي في ما يتعلق بالصحفي نفسه وهو ما يعدُّ، لربما، من أكثر الأمور التي تحتاج إلى مراجعات دقيقة. إذ من غير الصائب اللقاء اللوم كلّه على الطرف الآخر دائما والحال أن بعضا من العيب فينا.
عراقيل مؤسساتية وبيروقراطية مُكبِّلة للعمل الصحفي
لغيابِ المكلفين بالإعلام والاتصال في بعض الإدارات المحلية تأثيرٌ كبيرٌ على قدرة الصحفي الجهوي الى النفاذ الى المعلومة أو حتى تحديد المصدر المخول لتقديمها هذا فضلا عن غياب التحيين الدوري للمواقع الإلكترونية لهذه المؤسسات و كذلك البيروقراطية المقيتة التي عادة ما تؤدي الى تقديم ردود متأخرة أو غامضة أحيانا دون القدرة على مناقشتها من جديد. وهو ما يطرح عدة تساؤلات حول المغزى من إحداث بوابات ومواقع الكترونية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للعديد من المؤسسات العمومية الجهوية دون ان يتم ادراج معطيات مفصّلة (وكمثال على ذلك شركة النقل بالساحل التي استغنت عن موقع فيه عدد معين من المعلومات إلى موقع اشبه الى الاستمارة) او مواقع تفتقد الى التحيين او يتم ادراج معطيات عامة.
كما أن العديد من مسؤولي هذه المؤسسات الذين تعوزهم القدرة على التواصل – حيث أن معظمهم يفتقد إلى أدنى دراية بتقنيات الاتصال والتعامل مع وسائل الإعلام- يتعلّلون عند رفض الرد على تساؤلات الصحفيين، بتوفّر كل المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي والحال أن معظمها يفتقد الى التحديث او انه يحتوي على تفاصيل ومعطيات فضفاضة أو دعائية ولا تصلح أحيانا حتى للتغطية الاخبارية فما بالك للبحث والتحقيق او انارة مسألة ما للرأي العام الجهوي والمحلي.
صعوبات هيكلية وحاجة ملحة للتكوين
أما على المستوى الصحفي، أي في ما يتعلق بممارسة الصحفي الجهوي للمهنة، فهناك العديد من الملاحظات التي يجب ذكرها للوقوف عند مكامن الخلل والمعوقات التي تحول دون النفاذ الى المعلومة.
ولعلّ من أولى هذه المعوقات أو الصعوبات على مستوى الممارسة الصحفية هي نقص التكوين القانوني لدى الصحفيين الجهويين وبالأخص لدى المراسلين الجهويين. حيث يفتقد عدد كبير منهم أصلا إلى التكوين الصحفي ولا يمتلكون ادنى مقومات العمل الصحفي الميداني وتقنياته، وتلك معضلة أخرى ربما قد تكون محورا لندوة منفصلة . وهنا وجب التفرقة بين هذين الصنفين حيث أن الصحفي الجهوي هو عادة ما يتمتع بالصفة المهنية أي أنه يعمل بصفة قارة في احدى وسائل الاعلام والصحفيين العاملين بالإذاعات الجهوية وكل هؤلاء تقريبا يخضعون الى دورات تكوينية بصفة منتظمة وفي جميع المجالات بما في ذلك مجال النفاذ إلى المعلومة.
ما هو المغزى من إحداث بوابات ومواقع الكترونية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للعديد من المؤسسات العمومية الجهوية دون ان يتم ادراج معطيات مفصّلة ؟
في حين أن الأمر يختلف تماما بالنسبة الى المراسلين الجهويين لوسائل الإعلام خصوصا الصحف والمواقع الالكترونية الذين لم يتلقوا تعليما صحفيا اكاديميا ولا يحضون، إلا نادرا، بفرص تكوين في مجالات تتعلق بالممارسة الصحفية او بتكوين قانوني ومن ذلك النفاذ الى المعلومة. وهو ما يحول في حالات كثيرة دون ادائهم لمهامهم على الوجه الأكمل أو الاقتصار على المواضيع التي تكون فيها المصادر متاحة هذا فضلا عن خوف العديد منهم من التتبعات القضائية عند نشر معلومات “حسّاسة” والحال أنهم يمارسون مهنة الصحافة كمهنة ثانوية أو حتى كهواية.
ولعل هذا الأمر يحيلنا الى نقطة نعتقد انها من الاهمية والخطورة بمكان في علاقة بالنفاذ إلى المعلومة. حيث يسعى البعض من المسؤولين الى ربط علاقات “خاصة” مع بعض المراسلين او الصحفيين الجهويين دون سواهم ومدّهم بمعطيات “حصرية” وفي توقيت مدرسو ومحدّد وذلك من باب استغلال هؤلاء “الأصدقاء” لتمرير رسائل معينة أو الحصول على منافع بطرق غير مباشرة. وهو ما يعني بالضرورة إقصاء البعض الآخر من المراسلين، وفي ذلك اعتداء صارخ على مبدأ تكافؤ الفرص. وتعتبر هذه الممارسات أمرا دارجا ذلك أنه وفي أكثر من مناسبة عندما يقع الاتصال ببعض المسؤولين أو الناطقين الرسميين باسم هيكل معيّن للاستفسار عن معلومة أو حادثة يتم تسويفك وبعد دقائق معدودات تجد أن الموضوع قد تم التطرق إليه ونشر الاجابة الرسمية في احدى المواقع او الاذاعات من طرف بعض “الزملاء” رغم احقيتك في أولوية النشر.
ولئن كان هذا الأمر يعد من باب “النباهة والحنكة” التي تتوفر عند البعض من الصحفيين الجهويين، إلا أنه قد يثير تساؤلات عدة حول الأسباب الكامنة وراء “احتكار المعلومة” او تقديمها بشكل “حصري” والحال أن المبدأ هو “الأولوية لمن طلب المعلومة مسبقا”. هذا طبعا دون الحديث عن رفض بعض المسؤولين للتجاوب مع الصحفي الجهوي لمجرد نقد او نشر معلومة لم ترق للمعني بالأمر أو أنها وضعته في موقف محرج تجاه رؤسائه.
وهنا يحيلنا الأمر الى نقطة أخرى لا تقل أهمية وهي الثقة التي يجب أن يحرص الصحفي الجهوي على تكريسها في علاقة بمصدر الخبر والتي تنبني أساسا على احترام رغبته في نشر الخبر بصفة رسمية من عدمه، أو ذكر اسم المصدر أو غيرها من الممارسات المتعلقة بمهنية الصحفي وحرفيته. ويتم ذلك دون ان يتحول الصحفي هنا الى بوق أو آلة دعائية لهذا المسؤول او غيره. وهو عكس ما نلاحظه للأسف في بعض المراسلين الجهويين خصوصا ممن لا يضعون حدا فاصلا بين العلاقة المهنية مع المصدر وبين شخصنة هذه العلاقة وما يتبع ذلك من تجاوزات لأخلاقيات المهنة و”انتزاع” المعلومة بطرق غير مشروعة وملتوية تلغي كل منافسة شريفة مع الزملاء أو تحويل هذه المعلومة الى أداة لتحقيق مآرب سياسية أو غايات شخصية. فيتحول هذا المراسل من ممثل لآلية رقابية إلى أداة بيد مسئولي المؤسساتِ المحلية والجهوية اما لتبييضها او للفت نظر المواطنين عن تقصيرها في آداء مهامها ووظائفها.
وهو ما يجرنا إلى الحديث عن السبل الكفيلة بجعل المراسلِ الجهوي قادرا على تفعيل آليات الرقابة والمساءلة على الأداء المحلي. وهي مهمة، كما سبق وأشرنا الى ذلك في أوّل المداخلة، من أوكد المهام الملقاة على عاتق المراسل الجهوي.
الإعلام الجهوي، رافد من روافد الحوكمة والمساءلة
لكن دعنا نتوقف أولا عند مفهوم المساءلة. فبحسب “الدليل البلدي ﻵليات وأدوات المساءلة المجتمعية على المستوى المحلي”، الصادر سنة 2021 عن المركز الدولي للتنمية المحلية والحكم الرشيد فإن هناك العديد من أنواع المساءلة من ذلك المساءلة السياسية والمساءلة الإدارية والمساءلة القضائية أو القانونية والمساءلة الاجتماعية. ولعل هذا الصنف الأخير – وهو صنف مستحدث – من أكثر الأصناف التي يلعب خلالها الإعلام الجهوي الدور الأبرز. حيث يكون حلقة الوصل بين المواطنين والمجتمــع المدنــي من جهة وبين السلطة المحلية وأصحاب القرار من جهة اخرى من خلال “مراقبة أعمالهم وتصرّفاتهــم التــي تهــم تسيير المرفــق العمومــي والتــزامهم بتقديـم التبريـرات وقبـول النقد وتحمّـل نتائـج الأعمال التـي قاموا بها والقرارات التي اتخذوها”.
وعلى ذلك يكون الاعلام الجهوي، من خلال الحرص على تفعيل آليات المساءلة الاجتماعية، قد ساهم في بلورة الحوكمة، اما عبر “تسليط الضوء على حسن الأداء المحلي وبالتالي تثمينه أو إبراز هِناته ووضع المواطن صلب عمليّة أخذ القرار وبالتالي التسريع في تحديد عقبات ادارة الحكم وتحسينه من أجل تفادي أزمة الحوكمة وأزمة الثقة من خلال تفعيل التواصل المستمرّ مع المواطن”.
كما يلعب الإعلام الجهوي والمحلي دورا بارزا في عملية المساءلة من خلال تسليط الضوء على الانشطة التي تقوم بها الهيئات والسلط المحلية بصفة متواصلة ومُبسّطة وهو ما يضمن حتما، قدرا كبيرا من الشفافية في عملية صنع القرار مع ضمان حد أدنى لتشريك المواطن في الشأن المحلي والتشارك في تحمل المسؤوليات وهو ما يعزز الثقة في القرارات المتخذة.
غير أن تسليط الضوء على الآداء المحلي لا يقتصر فقط على تغطية دورية لأنشطة المجالس المحلية أو الجهوية مثل قرارات البلديات وتنفيذ المشاريع وتوزيع الميزانيات أو متابعة تنفيذ البرامج التي تم الإعلان عنها ضمن الوعود الانتخابية او الخطط التنموية ومدى تحقيقها، وكذلك متابعة التحركات السياسية أو تغطية أنشطة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والثقافيين فحسب، وإنما أساسا من خلال كشف التجاوزات والانحرافات وذلك عبر القيام بالتحقيقات الصحفية والاستقصائية منها بالخصوص.
حيث من أوكد أولويات الإعلام الجهوي القيام بتحقيقات ميدانية تكشف عن حالات فساد أو سوء تسيير أو استغلال للنفوذ أو غيرها من التجاوزات أوالممارسات المخالفة للقانون في شتى المجالات وعرضها على الرأي العام المحلي والوطني حتى يضع حدا لهذه التجاوزات ويضع كل المخالفين أمام المساءلة القانونية والقضائية فضلا عن المساءلة الأخلاقية والاجتماعية.
ان تسليط الضوء على الآداء المحلي لا يقتصر فقط على تغطية دورية لأنشطة المجالس المحلية أو الجهوية أو متابعة التحركات السياسية أو تغطية أنشطة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والثقافيين فحسب، وإنما أساسا من خلال كشف التجاوزات والانحرافات وذلك عبر القيام بالتحقيقات الصحفية والاستقصائية منها بالخصوص.
ولعل كشف كمٍّ هائل من حالات الفساد والتجاوزات الخطيرة عبر نشر العديد من التحقيقات الاستقصائية التي تم إنجازها بعد الثورة خصوصا في الجهات الداخلية خير دليل على نجاعة هذا الشكل الصحفي في تفعيل المساءلة ووضع مسيري المؤسسات الجهوية والمحلية والمشرفين عليها أمام مسؤولياتهم. وهو ما عزز الثقة أيضا لدى المواطنين في إعلام جهوي ومحلي قوي وحر ونزيه وشفاف وفاعل ومنحاز للحقيقة ومدافع عنها.
ومن هذا المنطلق، من شأن الإعلام الجهوي أن يكتسب، بفضل حرصه على كشف الحقائق، الثقة الكاملة التي تخول له لعب دور محوري في التثقيف الإعلامي وتوعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وبدورهم في مراقبة الشأن المحلي وذلك من خلال فتح فضاءات للنقاش عبر الصحف والمواقع الالكترونية أو برامج إذاعية وتلفزيونية محلية او كذلك على منصّات التواصل الاجتماعي.
وعلى ذلك، من شأن الإعلام الجهوي، إذا التزم بالمهام المنوطة بعهدته ولعب دوره الحقيقي في تعرية الحقائق وكشف كل المخالفات – في التزام واضح بمبدأ الشفافية والنزاهة والموضوعية-، ونأى بنفسه عن التجاذبات والحسابات والمصالح، أن يحوز على الثقة الكاملة للمواطن وأن يصبح الدرع الحصين الذي يحمي مصالحه وأن يحقق العدالة والمساواة ويضمن حق المواطن في مساءلة كل من تخول له نفسه تجاوز القانون وتتبُّعِه ومنع افلاته من العقاب. وهي لعمري من أوكد أولويات الإعلام بصفة عام والإعلام الجهوي بصفة خاصة بالنظر لمدى قربه من المواطن وتفاعله المباشر معه.
لكن بين المأمول والمنشود هناك العديد المسافات التي يجب قطعها واختصارها لأن ما نراه ونسمع عنه يؤكّد أن أمام الإعلام الجهوي طريق طويل، لا يخلو من المطبات والعراقيل.
* رئيس تحرير مساعد وأستاذ خبير بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار (تونس)