في ثنايا المسرح الأثري بقرطاج، نسج الفنان رياض الفهري من الألحان خارطة لعالم تتقاطع فيه الثقافات وتتشابك فيه الهويات، حيث وحدها الموسيقى قادرة على خرق الصمت المتراكم في أرواح أنهكها الضجيج.
“البساط الأحمر 2″، عنوان يبدو للوهلة الأولى امتدادا لمغامرة فنية أولى، لكنه يتجاوز مفهوم الجزء الثاني، ليغدو ولادة جديدة لتجربة تتهاطل في ثناياها الأسئلة عن الإنسان وعن الفن وعن أثر الموسيقى حين تتحرّر من قيود التصنيف والحدود.
وفيما أسدل الليل خيوطه على المسرح الأثري توهج البساط وتخطى اللون الأحمر بعده الركحي ليظهر بمثابة بيان رمزيّ يحيل إلى الدفقة الأولى للحياة، إلى الدم الذي يسري في الشرايين وإلى شغف لا يستكين.
الأحمر في هذا العرض ليس لونا للفرجة بل لغة شعورية، يوحّد الحواس في حقلٍ بصريّ تتواطأ فيه الإضاءة مع الصوت، وتغدو فيه الحركة عنصرا سرديا يروي حكايا متقاطعة من كل العالم.
في افتتاح العرض، تومض على الشاشة لقطات من مسلسل المايسترو، ذلك العمل الذي كتبه عماد الدين حكيم وأخرجه الأسعد الوسلاتي، ومنحه رياض الفهري النفس الأول وصوته الموسيقيّ، في استعادة ذكية لتيمة العرض الأصلية: أثر الموسيقى على الوعي الجمعي، وعلى الذوات المهمشة.
“وحدها الموسيقى قادرة على تغيير العالم” جملة تختزل مشاهد “المايسترو”، صارت مدخلا لتأويل العرض برمّته ومع تواتر اللوحات الفنية تغيرت ملامح العالم حينما ألغت الموسيقى احتمال الحدود.
منذ نوتاته الأولى يظهر “البساط الأحمر 2” كعمل يرفض المركزية شكلا ومضمونا فلا مركز للعرض، ولا بطل أوحد، لكل آلة موسيقية بصمتها ولكل أغنية أثرها ولكل لحظة فنية ولادتها الخاصة.
في هذه التوليفة المعقدة، لا يشعر المتلقي بالتشتت بل بالامتلاء، لأنه يحيا اللوحات ويتجاوز كونه متفرجا إلى مشارك في السفر الحسي الذي لا يحتاج جوازات ولا تأشيرات.
عبر حضور موسيقيين من جنسيات وثقافات مختلفة، يتخذ العرض شكل المانفستو الكوني، ولا تنحصر الكونية في تجميع سطحي للأنماط الموسيقية المتعددة بل تتعدّاه لتفكيك الهويات الصوتية وإعادة تركيبها ضمن بناء لحني يخلق معانيه الخاصة.
من اليابان، جاءت ساياكا كاتسوكي، وفي كمانها التقى الشرق بالغرب عند وتر رفيع، ومن الولايات المتحدة أتى برينان جيلمور لينثر شيئًا من الجاز والبلوز على الركح ويؤوي في صوته كلمات “سيدي منصور” ، ومن إيطاليا حمل مارسيلو بيوندوليلو مداه المتوسطيّ النابض.
وفي الأثير، تعالت التلوينات الصوتية لتذكّر بأن العالم في جوهره موسيقى وهمس العود للناي وعانق البوق الإيقاعات وناجى البيانو الغيتار والتحقت كل الآلات الموسيقية لتكتمل اللوحة السمعية.
في الظاهر، يمكن وصف العرض بأنه “كرنفال عالمي”، لكنه في العمق محاولة لترميم الشرخ بين الثقافات، من خلال استدعاء موسيقاها وإخضاعها إلى تجربة التماهي حيث لا فنان يتفوق على الآخر ولا نمط يعلو على نمط، وحتى اللغات المختلفة تصدح بنفس الكثافة الشعورية.
في البساط الأحمر 2، لا يضع الفهري نفسه في مركز العرض، يوزع الظهور بين الجميع ويصنع مساحة فنية متمايزة عن غيرها ويخلق ظروفا حتى تروي الموسيقى جوهرها ويمنح الهامش فسحة للانبعاث.
وحدها الموسيقى تملك مشروعية الحضور، في بيان موسيقي فلسفي، تلتقي فيه الجغرافيات، وتسقط فيه التصنيفات، وتعيد فيه الموسيقى التعريف بذاتها أفقا للحرية، ومساحة للفكر والتفكّر.
ولا يتوقف العرض عند حدود السمع، بل يتحول إلى مشهدية متكاملة وتحاكي الإضاءة الموسيقى وتساير الألوان النوتات وتبدو حركة العازفين جزءا من خطاب ركحيّ يؤسّس لجمالية تنسج من الانفعالات والتفاعل.
البساط الأحمر امتد من تونس إلى فلسطين حينما صدحت إسراء بن سليمان بأغنية “إسراء تحلم بفلسطين”، وكان الصوت القادم من الحلم أقوى من أي بيان سياسي؛ لحظة شعرية خالصة تجلت فيها هيبة القدس، ووقف فيها الزيتون شامخا.
وفيما رفرفت رايتا تونس وفلسطين في الخلفية، استحضرت “إسراء” حلما مؤجلا في رسالة عاطفية وجمالية صاغت فيها الموسيقى بديلا عن الواقع السوداوي حينما تكثفت المأساة على أعتاب الخضوع.
وفي قلب هذا التداخل بين الجماليات، ظهرت تجربة “Orchestra Playtoys”، في لحظة “عبقرية” تعيد الاعتبار لما هو “طفولي” وما يمثله من مخزون خصب للخيال بعيدا عن كونه مرحلة “عابرة”.
آلات موسيقية هي في الأصل ألعاب أطفال، عزفت ألحانا عذبة، بدت وكأنها تأتي من زمن لم يشوّهه الواقع بعد، لتفتح آفاقا أخرى أمام إمكانات فهم الفن في سياق حرية مطلقة لا تعترف بالقوالب.
مع تعاقب اللوحات والأغاني بلغات مختلفة على إيقاع موسيقات متعددة اكتملت ملامح رؤية فنية تستثمر التجريب للانفلات من الرتابة وخلق منطقة إبداعية بين “التراث” و”الابتكار”، وبين “الأصل” و”الإضافة”.
جدارية موسيقية حيّة تترنح بين العابر والراسخ، تسائل ماهية الفن وتتقاطع مع فلسفة رياض الفهري حينما يهتف من بين تفاصيل العرض أن الفن قادر على أن يعيد للإنسانية صوتها، حين تخنقها الصراعات، ويمدّ له بساطا حينما يضيق بها الواقع.
حتى الجمهور، لم يكن مجرد منصت بل كان شريكا في التجربة فقد تفاعل مع كل انتقال لحني، وكل دخول لآلة جديدة أو صوت جديد على نسق عرض يحاكي الطقس التطهيري ويذكرنا بإنسانيتنا فيما ينفخ فينا ناي حسين بن ميلود السكينة.