تردّد شعار “البطاقة الصحفية هي حق موش مزية” صباح اليوم الخميس 20 نوفمبر 2025 في ساحة الحكومة بالقصبة، حيث تجمع مئات الصحفيات والصحفيين من المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة والدولية والجمعياتية استجابة لنداء النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، في تحرك وطني اعتبرته النقابة بداية لسلسلة من الخطوات النضالية دفاعا عن حرية الصحافة وكرامة العاملين في القطاع.
ورفع المحتجون الشارة الحمراء وشعارات من قبيل “الحرية للصحافة التونسية”، “يسقط المرسوم 54″، “سيّب الصحافيين”، “شغل، حرية، كرامة وطنية”، في مشهد يعكس حجم الاحتقان داخل المهنة وحجم التهديدات التي تواجهها.
وضع “غير مسبوق” وحرمان جماعي من البطاقة المهنية
في كلمته أمام المحتجين، وصف نقيب الصحفيين زياد الدبار الوضع الحالي للقطاع بـ “غير المسبوق”، معتبرا أنّ حرمان آلاف الصحفيين من البطاقة المهنية لسنة 2025 يشكل سابقة خطيرة في تاريخ تونس. وأشار إلى تعطّل استكمال تركيبة اللجنة المستقلة لإسناد البطاقة، وإلى تقصير رئاسة الحكومة في التمديد الرسمي لبطاقة 2024، مما تسبب في عراقيل حقيقية أمام حرية العمل الميداني والتنقل.
وأكد الدبار أنّ “تهديد المهنة لم يعد مجرّد شعور بل أصبح واقعا”، لافتا إلى أنّ أكثر من 2000 صحفي وصحفية لم يحصلوا على بطاقاتهم، وأن المراسلين الأجانب يُمنعون منذ سبتمبر الماضي من التمتع بتراخيص العمل رغم توفر الاعتماد الرسمي.

تصاعد التضييقات: محاكمات، رقابة، وإعلام عمومي بلا استقلالية
كما ندّد نقيب الصحفيين باستمرار المحاكمات استنادا على المرسوم 54 والنصوص الجزائية وقانون مكافحة الإرهاب، بدل الالتزام بالمرسوم 115 الدي يتظم قطاع الصحافة. وكشف عن حوادث منع صحفيين من دخول جلسات محاكمة مراد الزغيدي وبرهان بسيس، معتبرا أن “التعليمات” أصبحت حاجزا أمام حق النفاذ للمعلومة.
كما تحدث الدبار عن عودة الرقابة داخل مؤسسات الإعلام العمومي، عبر سحب المقالات، وتغيير العناوين، ومنع الضيوف، في محاولة لإعادة الجمهور إلى إعلام الدعاية الحكومية.
وشدّد على أن “السلطة الحالية تريد إعلاما حكوميا لا إعلاما عموميا، وتريد صحفيين منخرطين في مسارها”، مضيفا أن”قطاع الصحافة منكوب… والفوضى عمت القطاع بعد تعطيل دور الهيئة التعديلية”.
الملفات العالقة: هشاشة، تعطيل، وإغلاق مواقع مستقلة
اعتبرت النقابة أن الأوضاع المهنية والاجتماعية للصحفيين بلغت مستوى غير مقبول، من هشاشة التشغيل في المؤسسات العمومية والخاصة، إلى تعطيل الاتفاقيات الأساسية والأنظمة الداخلية لمؤسسات الإذاعة والتلفزة ووكالة تونس إفريقيا للأنباء، رغم انتهاء الآجال القانونية للتنفيذ منذ جانفي 2024.
كما أدانت إغلاق موقعي “نواة” و “انكفاضة” وتعطيل عمل “الكتيبة” و”المفكرة القانونية”، معتبرة أنّ الاستهداف يتم بسبب الخط التحريري لهذه المنصات وليس بسبب “إجراءات إدارية” كما تروّج السلطات.
مطالب واضحة… وتحركات متواصلة
وجددت النقابة خلال هذا التحرك التأكيد على حزمة من المطالب العاجلة التي تعتبرها أساسية لإنقاذ القطاع، وفي مقدمتها الإسراع بتمكين الصحفيين من بطاقتهم المهنية لسنة 2025 وتجديد تراخيص عمل الصحافة الدولية دون مزيد من التعطيل، إلى جانب تنفيذ وتنقيح الأنظمة الأساسية لمؤسسات الإعلام العمومي ونشر الاتفاقية المشتركة للصحفيين في الرائد الرسمي وتفعيلها فعليا. كما شددت على ضرورة تسوية الوضعيات المهنية الهشة في القطاعين العام والخاص وتمكين الصحفيين المستقلين من الانتفاع بنظام “المبادر الذاتي”، وفتح مناظرات الانتداب داخل الإعلام العمومي في إطار قانون المالية لسنة 2026، فضلا عن تشغيل خريجي معهد الصحافة وعلوم الإخبار في مكاتب الاتصال بالمؤسسات العمومية. وطالبت النقابة باحترام حق الصحفيين في حضور الجلسات والمحاكمات دون عراقيل، والإفراج عن الصحفيات والصحفيين الموقوفين ووقف إحالتهم ومحاكمتهم خارج إطار المرسوم 115، معتبرة أن تحرك اليوم ليس سوى بداية لسلسلة من التحركات الأوسع دفاعا عن مهنة “تتجاوز عمر المائة عام” وتواجه اليوم تهديدا غير مسبوق.
أرقام مقلقة
وفق ما أعلنته خولة شبح رئيسة وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية، تم تسجيل 149 اعتداء على الصحفيات والصحفيين خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2024 إلى نوفمبر 2025. ورغم تراجع العدد مقارنة بالسنوات الماضية، اعتبرت شبح أن هذا لا يعني تحسنا في واقع حرية الصحافة، بل هو نتيجة تقلص العمل الميداني بسبب التضييقات والصنصرة الداتية.
كما تراجعت تونس إلى المرتبة 129 عالميا في مؤشر حرية الصحافة لسنة 2025، وفق “مراسلون بلا حدود”، في دليل إضافي على التراجع الحاد في حرية التعبير.
“سنظل نناضل لأجل الكلمة الحرة”
في ختام الوقفة، وجّه نقيب الصحفيين رسالة قوية قائلا:
“تسقط كل منظومة ظالمة… نحن ملح هذه الأرض، وسنظل نناضل من أجل الكلمة الحرة وحق المواطن في المعلومة حتى يكون مواطنا وليس رعية.”
تحرك الصحفيين في ساحة القصبة لم يكن مجرد وقفة احتجاجية، بل إعلانا واضحا بأنّ المهنة ترفض الانحناء، وأنّ معركة الدفاع عن حرية الصحافة في تونس ما تزال طويلة… لكنها معركة لا يمكن التخلي عنها.