حوار مرام حمراني وسلسبيل القاسمي *
تعيش القاعات السينمائية والمسرحية في تونس أزمة حادة بين ضيق التمويل وتراجع الحضور الجماهيري. وهوما أثر على مردوديتها وطبيعة نشاطها كما دفعت هذه الأزمة العديد من الفضاءات الى غلق أبوابها. ولعل من بين أبرز الفضاءات الثقافية التي مازالت تصارع من أجل البقاء هومسرح الريوالواقع في قلب العاصمة. حيث رغم موقعه الجغرافي الاستراتيجي ورغم “الخدمات” الثقافية المتنوعة التي يقدمها بفضل رؤية استراتيجية وضعها مديره الفنان والمنتج المسرحي والسينمائي محمد الحبيب بالهادي، فإن هذا الفضاء يصارع لا من أجل البقاء فقط بل من أجل الحفاظ على جودة العروض والانتاجات.
في هذا الحوار يستعرض محمد الحبيب بالهادي تجربته على رأس هذا الفضاء ويقدم بسطة عن جملة من المشاكل التي يتعرض لها القطاع.
ماهو مصدر مداخيل الريو؟
مصدر المداخيل عديدة ومتنوعة أولها وأهمها الجمهور ويليها بعض نشطاء المجتمع المدني الذين يقومون بتسوّغ القاعة لتنظيم بعض المهرجانات والتظاهرات وتقديم المسرحيات والأعمال الثقافية كما ان هناك مساهمة بسيطة من الدولة. هناك مساهمة من حين لآخر من الصناديق الثقافية العربية والأجنبية لكن منذ 7 اكتوبر قاطعنا هذه الصناديق مساندة للقضية الفلسطينية.
وماذا عن الدعم الذي تتلقاه قاعة السينما الريو؟
الدعم غير كاف لأن هناك 3 قاعات في وسط المدينة. اذ تتلقى قاعات دار الأوبرا ميزانية بقيمة 20 مليار وقاعة السينما في شارع باريس تتمتع ميزانية بقيمة 3 مليارات ونصف في حين تتلقى قاعة الريو دعما يقدر بـ 60 ألف دينار فقط. هناك فرق شاسع وواسع يصل حد التمييز في عملية توزيع الدعم على قاعات السينما التونسية وهذا التمييز ليس لا ينبني على لأي أساس لأن كل القاعات السينمائية تقدم الأعمال الثقافية نفسها. وعلى الدولة أن تدعم القطاع الخاص مثلما تدعم القطاع العام والمؤسسات العمومية وهو واجب محمول عليها لأن رواد القاعات والفضاءات الخاصة هم في الأصل مواطنون تونسيون.
نحن نسعى لأن يكون آداؤنا أحسن وأفضل من القاعات الأخرى ونقص الدعم لن يؤثر على المردود الثقافي الذي تقدمه قاعة الريو.
ورغم أن هذا الدعم يعد غير كاف بالنظر الى حجم التكاليف والمصاريف خصوصا من ناحية التجهيزات والصيانة لكونها قاعات قديمة البناء تتطلب صيانة خاصة غير أننا عازمون على أن نتطور ونحسن من المردود الثقافي
هناك مساهمة من حين لآخر من الصناديق الثقافية العربية والأجنبية لكن منذ 7 اكتوبر قاطعنا هذه الصناديق مساندة للقضية الفلسطينية.
حسب رأيكم ماهو سبب هذا التمييز بين القاعات ؟
السبب مرتبط أساسا بمن يأخذ القرارات السياسية اذ يعتبر نفسه بيده الحل والربط ويعتبر ان القطاع العام افضل من القطاع الخاص وكأن العاملين في القطاع الخاص ليسوا بتونسيين.
كيف اثرت الأزمة الاقتصادية في تونس على قاعة الريو ؟
أنا شخصيا أنتمي الى جيل متعود على سياسة التقشف والأزمات الاقتصادية. فلن أتأثر بالوضع الاقتصادي الحالي اذ أصبحنا ندرك قيمة الثقافة لدى المواطن والدولة ونحن هنا موجودون لأنه لنا ارادة قوية لكي نواصل ونكون صامدين. ومن حين لآخر يحالفنا الحظ رغم الصعوبات ورغم العراقيل وقلة الإمكانيات.
في مداخلة لك على أمواج اذاعة “موزاييك اف ام” تطرّقت الى أزمة كورونا وتأثيرها على قاعة الريو. فكيف تخطيتم هذه الأزمة ؟
نعم نجحنا في تخطي هذه الأزمة ولعب الحظ دوره حقيقة، لأننا لم نكن مستعدين لمواجهة هذا الخطر الصحي الطارئ. كان حالنا كحال بقية عموم المواطنين. كنا ما يقال بلغتنا العامية “نعيش اليوم بيومه” ولم نكن مستعدين لمثل هذه الجائحة الصحية ورغم ذلك نجحنا في تنظيم انشطة ثقافية.

الحبيب بالهادي صحبة الطالبة مرام حمراني
كيف تقيمون طبيعة إقبال الجمهور على الأفلام ؟ أيها أكثر استقطابا للجمهور الأفلام التونسية ام الأجنبية ؟
اليوم هناك إقبال مطّرد على الأفلام التونسية أساسا على عكس ما كنا نشهده في السابق حيث كانت “موضة” الأفلام العربية والمصرية تحديدا دارجة بشكل كبير في القاعات .
نعيش في عصر الرقمنة وظهور منصات رقمية مختصة في مجال السينما، الى مدى يؤثر ذلك على إقبال الجمهور على القاعات ؟
هذا التطور الرقمي لا يؤثر على الإقبال إلى قاعات السينما لأنّ للإبداع والسينما مكانة خاصة لا تتأثر البتة وفي منصات مثل Netflix أو Shahid لا تتواجد الأفلام التونسية على عكس القاعات السينمائية.
من موقعك اليوم كمنتج ومسؤول على قاعة الريو، ماهي رؤيتك لقاعات السينما في تونس؟
حقيقة في فترة ما كنّا خائفين، لأنّ القاعات في تونس يجب أن تتطور وهو ما حدث فعلا وبرزت قاعات سينمائية جديده مثل Pathé وكلنا نطمح أن ننسج على منوالها وهذا مهم حسب رأيي. فالسينما في تونس مازالت حية ولن تموت الآن.
نحن نسعى لأن يكون آداؤنا أحسن وأفضل من القاعات الأخرى ونقص الدعم لن يؤثر على المردود الثقافي الذي تقدمه قاعة الريو
مسرحية “آخر مرة” من اخراج “وفاء الطبوبي” هي آخر أعمالك الالتي لاقت نجاحا كبيرا منذ 2021 فماهو سبب غيابك ؟
لم أكن غائبا لكن هناك أعمال بارزة وأعمال تظل غير معروفة وبارزة نوعا ما. فقد انجزنا مسرحية “تسعة 9” لمعز القديري وهي مسرحية تشارك في المسرح الوطني وكانت معروضة في مهرجان دوز. كما أنه لدينا عمل جديد من انتاج شركة فاميليا للانتاج.
ماذا تعني لك الريو ؟
منذ صغري كنت أحلم بأن أكون في سيرك يجول العالم لكن في الحقيقة أتت الريو فخففت هذا الحلم. فأنا نشأت وترعرعت في بيت تقليدي وفي حي شعبي أين تتواجد كل أطراف العائلة. هكذا أشعر عندما أتواجد في الريو، أين ألتقي عائلتي الفنية والثقافية.
من هو الحبيب بالهادي ؟
يُعدّ محمد الحبيب بالهادي واحدًا من أبرز الفاعلين في المشهدين المسرحي والسينمائي حيث بدأ مسيرته المهنية منشّطًا بدور الثقافة بين 1979 و1982، قبل أن يتولى إدارة الإنتاج والتوزيع بالمسرح الوطني التونسي من 1987 إلى 1991. في سنة 1992 أسس، رفقة جليلة بكار والفاضل الجعايبي، شركة فاميليا للانتاج، مسهمًا في إحياء فضاءات ثقافية مهمة مثل قاعة الحمراء والتياترو. وشارك في تنظيم وإدارة الإنتاج بعدة تظاهرات كبرى على غرار مهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات الدولي وأيام قرطاج المسرحية. أنتج بالهادي أعمالًا مسرحية بارزة لمخرجين كبار مثل محمد إدريس، الفاضل الجعايبي، جليلة بكار، الفاضل الجزيري ورشاد المناعي، إلى جانب إشرافه على إنتاج أعمال موسيقية لأنور براهم وتنظيم جولات لفنانين عرب بارزين.
وفي السينما، شارك في إنتاج عدد من الأفلام على غرار “حي المعلم” لمحمد إدريس و”فتوى” و”الأستاذ” لمحمود بن محمود، إضافة إلى أعمال وثائقية للمخرج فرج شوشان. كما أسس سينما مسرح الريوسنة 2014 وساهم في بعث شركة فنون التوزيع التي تدير سينما أفريكآرت. وقد حاز عدد من الأعمال التي شارك في إنتاجها جوائز هامة، من بينها “فتوى” المتوّج بالتانيت الذهبي، و”آخر مرة” لوَفاء الطبوبي، الفائز بالتانيت الذهبي لأيام قرطاج المسرحية 2021.
*طالبتان بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار