في سياق التقاطع بين الأسئلة الأخلاقية والتعقيدات الرقمية، نظم مجلس الصحافة بالشراكة مع برنامج PAMT 2، يوما دراسيا بعنوان ” الصحافة والذكاء الاصطناعي والأخلاقيات” بهدف وضع اللبنات الأولى لميثاق وطني يؤطر استخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام التونسية.
اللقاء الذي انعقد، أمس الأربعاء، بدا أشبه بتمرين جماعي على التفكير، في زمن تتقدّم فيه التقنيات بخطوات واسعة، بينما تتعثّر القواعد التي يفترض أن تضبطها.
منذ الجلسة الافتتاحية، كان جليا أن الإشكال لم يعد تقنيًا فقط، بل بات سؤالا وجوديا يتعلق بمستقبل المهنة وشرعية أدواتها.
وفي هذا السياق وضع رئيس مجلس الصحافة منوبي المرّوكي، النقاط على الحروف، مؤكّدا أن المسؤولية اليوم مشتركة بين كل مكوّنات القطاع، وأن بعض الانحرافات الأخلاقية بدأت تطفو في بعض غرف الأخبار نتيجة الاستخدام غير المؤطّر للذكاء الاصطناعي.
كما أكد الحاجة الملحّة إلى نقاش صريح يفضي إلى أرضية مبادئ واضحة، تنتج لاحقا ميثاقا وطنيا يُعرض على أهل المهنة ويناقش معهم قبل اعتماده
ومن جهته أشار رئيس لجنة الأخلاقيات بمجلس الصحافة وميسّر اليوم الدراسي خليل الجلاصي إلى أن الذكاء الاصطناعي حاضر في أغلب التحريرات التونسية، لكنه حاضر كظلّ، أوكأداة تُستخدم دون اعتراف، أو كموضوع يُتجنّب الخوض فيه.
فالصحفيون، كما يقول، لا يعترفون باستعماله، ومن هنا تأتي الحاجة إلى ميثاق يضمن الشفافية، ويحمي الجمهور، ويعيد ترتيب العلاقة بين الصحفي والذكاء الاصطناعي في مسار التحرير.
الذكاء الاصطناعي في الإعلام… بين المتاح والمخيف
في الجلسة الأولى المخصصة للتأطير، قدّمت الدكتورة البلجيكية المتخصصة في الإخبار الرقمي والذكاء الاصطناعي لورانس ديريكس قراءة دقيقة للوضع الراهن للذكاء الاصطناعي في الإعلام على المستوى الدولي وسط ما يطرحه من فرص وتحديات.
وذكّرت بما يتيحه الذكاء الاصطناعي من جمع المعلومات بسرعة، ومعالجة المعطيات الضخمة، والترجمة الآلية، وتلخيص المقالات، وتحليل البيانات في سياقات التحقيقات، وهو ما يفضي ضرورة إلى تخفيف العبء الروتيني داخل غرف التحرير.
لكنها، في الوقت نفسه، وضعت إصبعها على بعض العلل الممكنة من ذلك مخاطر التضليل، والمحتوى الموجه، وغياب أي أثر للتتبع والتثبت، وهشاشة المصداقية عند غياب الإشراف البشري.
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي ليس صحفيًا ولن يكون، بل هو أداة تستوجب أن تبقى تحت المراقبة والتحقق والمراجعة.
من جهته، قدّم مؤسس إنكفاضة مالك الخضراوي، قراءة لواقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام التونسي وقدم أرقاما دقيقة تكشف التحول الجاري من ذلك أن 75% من غرف الأخبار تستخدمه في الترجمة.
وأضاف أن 58% منها تستخدمه في تحليل البيانات، و50% في التثبت من المعلومات، و41% في كتابة مواد بسيطة، و8% فقط في المحتوى السمعي البصري.
ولم يخف الخضراوي نقص التكوين وصعوبة الوصول إلى بعض الأدوات وغياب حلول في علاقة لمعالجة اللهجة التونسية، بالإضافة إلى مخاوف من فقدان السيطرة على العملية التحريرية.
كما قدم أمثلة حيّة من تجربة إنكفاضة مثل تحليل معطيات الفقر والخدمات العمومية عبر قواعد بيانات المعهد الوطني للإحصاء، أو تحليل عشرات الخطابات السياسية لإبراز المفردات الأكثر استعمالا والمواضيع المتكررة ونبرة الخطاب.
الجانب القانوني… منطقة رمادية تحتاج تأطيرا
وفي محور آخر، قدّم الخبير في القانون أيمن زغدودي تحليلا قانونيا دقيقا لتحديات الذكاء الاصطناعي داخل العمل الصحفي.
كما تحدث عن الملكية الفكرية، وعن المرسوم 54، وعن الانتهاكات المحتملة لحقوق المؤلف، إضافة إلى جرائم التلاعب، والتشويه، ونشر الأخبار الزائفة، وحماية المعطيات الشخصية التي قد تكون عرضة للانتهاك، بسهولة، عند استخدام أدوات غير مؤمّنة.
وأشار إلى معادلة خطيرة تتمثل في كون نماذج الذكاء الاصطناعي ليست محايدة، بل تحمل اختيارات اقتصادية وسياسية لمن يصمّمها، ما يجعل تأثيرها على الخط التحريري احتمالا واقعيا.
وفي سياق متصل، أكد الزغدودي أن أي إطار تنظيمي يجب أن يركّز قبل كل شيء على شفافية الخوارزميات وهوية الأدوات المستخدمة ومساءلة مزودي الخدمات.
نحو ميثاق وطني… ثلاثة محاور تأسيسية
في الجزء الثاني من اليوم الدراسي، تحولت القاعة إلى ورشة تفكير واسعة بمشاركة صحفيين، وممثلين عن مؤسسات إعلامية، وعن المجتمع المدني، وأعضاء مجلس الصحافة، وذلك لوضع اللبنات الأولى لميثاق وطني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام.
وقد أفضت النقاشات إلى إجماع على مبادئ مركزية وهي التحقق البشري الصارم من كل محتوى مُنتَج أو بالذكاء الاصطناعي أو يتضمن مساعدته، ومسؤولية الصحفي المباشرة عن كل ما ينشر، والشفافية تجاه الجمهور، وحماية المصادر والمعطيات الشخصية، وصون حقوق المؤلف، ومنع كل الممارسات التي قد تضلل أو تنتهك الأخلاقيات المهنية
ومن المفترض أن ينبني الميثاق المقترح على ثلاثة محاور:
1. ما هو محظور تماما
2. ما هو مسموح
3. ما هو قابل للتسامح بشروط
ومن المنتظر أن تُعرض المسودّة على مختلف الأطراف قبل اعتمادها، لضمان انسجامها مع واقع المهنة وتحدياتها اليومية.
*تم توليد الصورة بالذكاء الاصطناعي