ضمن الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية، جاءت المائدة المستديرة “السينما العربية الجديدة” بوصفها لحظة تفكير جماعي في تحوّلات الصورة العربية، وبعد المنعطفات السياسية والاجتماعية العميقة التي عرفتها المنطقة، خصوصًا منذ 2011.
والمسألة لا تتعلق بتوصيف زمني صرف، ولا ببحث عن تصنيف جمالي جاهز، بل محاولة لالتقاط ما تغيّر في علاقة السينما بذاتها وبالعالم، في أشكال السرد، في جرأة المواضيع، في شروط الإنتاج والتوزيع، وفي موقع المخرج داخل فيلمه.
والأفلام المبرمجة، في أيام قرطاج السينمائية، ضمن “السينما العربية الجديدة”، تعكس كسر السائد وتوسيع أفق الرؤية من خلال الاقتراب من مساحات خاج دائرة المألوف، غير متوقعة وغير نمطية.
ولا يختلف إثنان حول استفادة السينما من التحوّل التكنولوجي المتسارع، ومن الرقمنة التي قلصت، نوعا ما، المسافة بين صناع الأفلام وموضوعاتهم.
ومن هذا المنطلق تتولد عديد الأسئلة على غرار هل نحن إزاء موجة سينمائية عربية جديدة فعلًا؟ أم أمام سينما متجدّدة فرضتها تحوّلات الجمهور وتغيّر شروط الإنتاج والدعم؟ وهل يمكن لهذه التجارب أن تؤسّس لجيل سينمائي جديد، أم أنّها مجرّد استثناءات فردية داخل سوق عالمي ومهرجاني شديد التعقيد؟
هذه الأسئلة وغيرها كانت محل نقاش وتفاعل بين عدد المتدخلين في صناعة الأفلام التي شكلت ملامح سينما مختلفة، وحضرت وجهات نظر مختلفة من زوايا الإنتاج والإخراج والتوزيع والنقد والتركيب(المونتاج)، بتيسير من الإعلامي أمين بن حمزة.
ظهور موجة أفلام السير الذاتية في السياق السوري بعد 2011
ومثل مصطلح “السينما الجديدة” نقطة ارتكاز وجهة رأي المخرج والمبرمج والموزع والمنتج السوري أحمد الحج إذ اعتبر أن الأمر يتعلق بقطعة مع ما سبق، مشيرا إلى ظهور موجة أفلام السير الذاتية في السياق السوري بعد 2011.
وفي حديثه عن هذ النوعية من الأفلام، لفت إلى تقليص المسافة بين الفنان والفيلم، ليصبح “المؤفلم” (le filmeur) هو العمل الفني، وهي تجربة غير مسبوقة، قد يراها البعض راديكالية أو منمّقة، على حد تعبيره.
وبين أن سينما سِيَر ذات لم تكن موجودة سابقًا في سوريا، مشيرا إلى أنها تقوم على تخييل الذات وتلفيقها والتباسها حيث يتماهى صانع الفيلم مع الموضوع.
السينما في العراق الأكثر تأثرا بالسياق السياسي منذ 2003
وفي سياق تأثر السينما بالتغيرات التي تحصل في البلدان، اعتبر الناقد السينمائي العراقي كاظم مرشد السلوم أن السينما في العراق الأكثر تأثرا بالسياق السياسي منذ 2003.
وقال السلوم “حرب الخليج الأولى أدّت إلى توقّف شبه كامل للسينما العراقية، حيث كانت الأفلام تُنتج لخدمة النظام، ولم تكن هناك سينما حقيقية وبعد 2003، ومع الاحتلال وسقوط النظام، حدث التغيير الكبير على كل المستويات. ”
وأشار إلى ظهور أفلام تعكس المتغير ، مثل “أحلام” لمحمد الدراجي و”غير صالح” لعدي رشيد وصولا إلى بلوغ فيلم “كعكعة الرئيس” لحسن هادي للقائمة القصيرة للأوسكار، متسائلا ” هل السينما الحديدة التي نتحدث عنها اليوم من حيث المواضيع أو من حيث المتغيرات؟ وهل كانت أمينة في نقلها؟ ”
تخوف من وضع السينما الجديدة داخل إطار واحد أو لغة واحدة أو مضمون واحد
وتفاعلا مع هذه التساؤلات المتعلقة بالسياق العراقي وما سبقها من حديث عن نمط السير الذاتية في سوريا، أعرب المخرج والكاتب أمير رمسيس عن تخوفه الدائم من وضع السينما الجديدة داخل إطار واحد أو لغة واحدة أو مضمون واحد.
واعتبر أن ما يربط السينما العربية اليوم هو التحرّر الشكلي أكثر من التحرّر المضموني، مؤكدا وجود سينما جديدة في العالم العربي يربطها الكثيرون بما حصل في 2011 (الثورات) لكن بشائرها بدأت قبل ذلك بثلاث أو أربع سنوات.
ولفت إلى أن هذه البشائر جاءت بسبب الديجيتال وتقنياته التي سمحت للمخرجين بالعمل بإمكانيات أقل والتحرّر من قيود السوق، مستشهدا بتجربة المخرج ثامر السعيد في “آخر أيام المدينة”.
كما أشار إلى أن أسباب نشأة السينما الجديدة عديدة من بينها زيادة منصّات الدعم التي مكّنت مخرجين عربًا من اختراق بوابة الدعم الخارجي.
تيارات سينمائية مختلفة
وفي اتساق مع ما سبق من مداخلات، تحدثت المخرجة والمنتجة والممثلة التونسية عفاف بن محمود عن تأثير التيارات السياسية والاجتماعية في السينما وفي الفن بصفة عامة، إلا أنها أكدت وجود مدارس سينمائية مختلفة.
واعتبرت أن السياق المتغير الذي تعيشه السينما اليوم ممتد على عشرين أو ثلاثين سنة، مشيرة إلى عديد الأفلام ذات القيمة الفنية العالية مع اختلاف الأساليب والمضامين وهو ما يتيح الحديث عن تيارات سينمائية مختلفة.
تحول المهرجانات إلى منتج أمر خطير
هذه السينيمات المختلفة تحدث عنها أيضا المخرج والمنتج ابراهيم اللطيف الذي أشار إلى أنه مخضرم ويعيش نفس وضع الحديث عن السينما الجديدة بوجوه وسينمات مختلفة، معتبرا أنه من المهم التطرق إلى الموضوع من منطلق الإنتاج.
ما هي السينما الجديدة؟ من أي زاوية؟ الإنتاج، أم التوزيع، أم الكتابة؟ تساءل لطيف قبل أن يحمل النقاش إلى منطقة الإنتاج حيث استنكر انتقال الإنتاج من شركات الإنتاج إلى المهرجانات.
واعتبر أن تحول المهرجانات إلى منتج أمر خطير، لافتا في سياق متصل إلى برامج التمويل المتشابهة بطريقةتؤدّي إلى تشابه في السرد والمضمون، رغم التطوّر التقني، على حد تعبيره.
العلاقة بين الجمهور والأفلام متغيرة
من منطلق الإنتاج إلى منطلق التوزيع، حمل ممثل مادسولوشن أحمد القسطاوي النقاش حيث وصف العلاقة بين الجمهور والأفلام بالمتغيرة في السنوات الأخيرة في ظل مرجعيات غير واضحة.
وأشار إلى أن شباك التذاكر في السابق كان المرجع الأساسي، ولكنه اليوم لم يعد كذلك وتغير الأمر بسبب تطوّر التكنولوجيا وتعدّد وسائل العرض.
واعتبر أن إيصال الأفلام إلى الجمهور بكل الوسائل الممكنة ليس سهلًا، ويتطلّب وقتًا واستثمارًا ومخاطرة برأس المال.
الظروف التي يعمل فيها المخرجون اليوم أصعب بكثير من السابق
ومن زاوية التمويل يأتي حديث المخرج ثامر السعيد الذي اعتبر أن الظروف التي يعمل فيها المخرجون اليوم أصعب بكثير من السابق ففي الماضي كان يكفي إقناع شخص واحد بتمويل الفيلم، أمّا اليوم فيتطلّب الأمر إقناع عدد كبير من الجهات، وفق قوله.
وأضاف ” لا يوجد دعم جيّد من الدول. في أغلب دول العالم، تدعم الدولة السينما دعمًا مباشرًا، أمّا في بلداننا فصانع الأفلام يعتمد على دعم خارج المنظومة.”.
وتابع ” مع تعدّد منافذ التوزيع، هناك منافسة كبيرة مع وسائل التواصل الاجتماعي على وقت الجمهور لمشاهدة الأفلام”
واعتبر أن صناع الأفلام لم يتفقوا على موجة جديدة أو مقاربات جديدة للواقع إذ أن الشاغل هو رواية القصة والتعبير عن الزمان والمكان.
الحداثة في السينما من خلال نقل التجارب
من مصر إلى السودان ينتقل النقاش، حيث يتحدث المخرج والمنتج أمجد أبو العلاء عن الحداثة في السينما من خلال نقل التجارب حيث أشار إلى تجربة فيلم “المرهقون” اليمني الذي يشارك في إنتاجه.
وأشار إلى أن الفيلم يظهر عدن لأول مرة على الشاشة ويوثق تفاصيلها، ويبرز فيه تأثر المخرج بالسينما المصرية والإيرانية والشرق أوروبية، مؤكدا أنه لم يتم التدخل في صناعة الفيلم من قبل الممولين وأن أغلب التمويل من اليمن.
وفي سياق التأثير والتأثير، ذكر بأنه تأثر بالسينما المصرية ولم يتأثر بالسينما السودانية لغياب الأثر، مشيرا إلى أنه اطلع على بعض الأعمال حينما عمل في السينما وبعد ترميمها، وهو ما يطرح مشكلة حفظ الذاكرة السينمائية.
السينما مرآة الشعوب والمجتمع
وإلى التجربة السينمائية العراقية الملهمة، يحمل المخرج والمنتج محمد الدراجي النقاش، إذ قال إن التجربة العراقية بعد 2003 مرّت بمراحل استثنائية: من سينما الاستديوهات، إلى تأثير الحكومات والعسكر، إلى سينما البروباغندا، ثم الحصار.
وأشار إلى أن الانطلاقة كانت معه وعدي رشيد وشوكت أمين في معالجة هموم العراقي في مواجهة العنف الطائفي والاحتلال والقاعدة وداعش والمليشيات.
وأشار إلى أن السينما مرآة الشعوب والمجتمع والأحداث وأنه عندما يصنع فيلمًا لا يفكّر إن كان موجة جديدة، بل يفكّر في القصة والتأثير وانتقال الرسالة من جيل إلى آخر.
لا يمكن فصل السينما عن الشروط المادية لإنتاجها
وإلى عالم الإنتاج يرجع المنتج التونسي فارس العجيمي ليؤكد أنه لا يمكن فصل السينما عن الشروط المادية لإنتاجها فالأفلام تُصنع داخل سياق ليبرالي رأسمالي، وفق تعبيره.
وأشار إلى أن المهرجانات جزء من السوق، والتفكير في ما يشدّ المهرجانات يخلق جماليات موجودة مسبقًا وأن الأفلام التي صنعت الفارق تظلّ استثناءات قائمة على التفرد والاختلاف.
وفي سياق متصل، اعتبر المخرج المصري أحمد عاطف أن الإنتاجات تعتمد على الدعم الخارجي أو المحلي المحدود، مستغربا عدم وجود صندوق للدعم السينمائي في مصر بكل ما تمثله من سوق سينمائي.
صيغ إنتاجية أغلبها يعتمد على الدعم الخارجي
وأشار أل أن غياب هذا الصندوق لم يمنع المخرجين من أن يجدوا صيغ إنتاجية أغلبها يعتمد على الدعم الخارجي، معتبرا في سياق آخر أن المنصات من بين المشاكل التي تواجه المخرجين.
موجة متجدّدة ومتغيّرة برؤى وأساليب مختلفة
ومن زاوية إبداعية مختلفة، تقدم المونتيرة المصرية هبة عثمان قراءتها لمصطلح السينما العربية الجديدة، معتبرة أن المسألة لا تتعلق بموجة واحدة لأن لا أحد يشبه الآخر ولكل مخرج بصمته.
وأشارت عثمان التي حضرت بصمتها في أغلب الأفلام التي مثلت نقاط فارقة في المشهد السينمائي العربي، إلى أن الرقمنة سهّلت التجريب وخفّضت الكلفة، والتعليم أصبح أسرع عبر الورشات.
ولفتت إلى دور الصحافة في مرافقة هذه الأفلام، مؤكدة ” نحن أمام موجة متجدّدة ومتغيّرة برؤى وأساليب مختلفة”.
معاناة مع الممولين ومحاولات التنميط
إلى صميم تجربة مختلفة تمضي المخرجة الأردنية زين دريعي التي عانت في رحلة البحث عن تمويلات أروبية، إذ قالت “دخلت بموضوع صعب وجديد في السينما العربية، وهو الصحة النفسية، في الإنتاج المشترك الأوروبي، طُلب مني الحديث عن الحرب والاضطهاد والعنف بدل هذا الموضوع. قيل إن الفيلم “ليس أردنيًا بما يكفي””
وأكدت أنها تمسّكت بفيلمها لأنه شخصي ويعبّر عن إحساس عاشته منذ الصغر، ورفضت أي تدخّل في النص، لافتة إلى المنتج علاء الأسعد قرر البحث عن تمويلات أخرى عربية.
وتتقاسم المخرجة نجوى النجار نفس المعاناة مع زين دريعي لأن التنميط يحصرها في أفلام ذات مواضيع محددة تتعلق بالحرب وبصور نمطية محددة.
وأشارت إلى أنه ليس من السهل كسر الإطار المفروض وطرح مواضيع أخرى، رغم غياب الدعم، مؤكدة أن للسينما عدة لغات وأن للبلظان التي تعيش حروبا قصصا أخرى تستحق أن تروى.
ضغط من الداعمين للتركيز على مواضيع معينة
عن إرهاصات الدعم يواصل المخرج المصري محمد صيام الحديث إذ أكد أن بعض الداعمين يمارسون ضغط للتركيز على مواضيع معينة من قبيل الصراعات والهجرة والعنف وغيرها، مشيرا إلى أنها جزء من الواقع ولكن هذا لا يجعل من حضورها ضروريا في كل الأفلام.
وأضاف ” خلال الثورات، كان هناك ضغط للحديث عن الثورة، حتى على أفلام صُنعت قبلها… الأمر شبيه بالمزاد العلني في ما يتعلق بالمواضيع التي يريدون التركيز عليها وكأنها نشرة أخبار عن حكايات معينة ترتوي من دماء الأطفال”.
وتابع ” في مصر وبعض الدول العربية ليست لدينا رفاهية أن نقول لا للإنتاج المشترك .. هو ضرورة”.
هل توجد اليوم مقومات حراك سينمائي
وفي حديثه عن فكرة اللقاء الذي ينشغل بالسينما العربية الجديدة، قال مدير أيام قرطاج السينمائية طارق بن شعبان إنها نابعة من تكوينه كباحث في السينما، وتأثّره بالسينما العربية الفتية من خلال لقاء دمشق في أوائل السبعينات والذي جمع ميشال خليفي، وبرهان علوية، ومرزاق علواش، والنوري بوزيد، ومحمود بن محمود.
واعتبر أن هؤلاء السينمائيين كانوا يمثلون جيلا جديدا في السينما يرتكز على طرح مهم جدا وهو أن السينما يجب أن تكون في قطيعة مع التجاري وتكون ملتزمة بقضايا المجتمعات العربية حينها.
وأكد أن التحوّلات التاريخية على غرار سقوط حدار برلين أفضت إلى تفكك ، والتمويلات الأجنبية، والتكنولوجيات الجديدة أدّت إلى زيادة هذا التفكّك، مشيرا إلى أن التموقع اليوم غير واضح ونحن معزولون، مستطردا ” ما يجمعنا اليوم كعرب هو القضية الفلسطينية”.
واعتبر أن قوة جيل السبعينات والثمانينات تكمن في تكامله مما صنع مقومات حراك سينمائي، متسائلا ” هل اليوم يوجد هذا الحراك؟ ”