مفيدة خليل-ينتفض الجسد ويكتب حياته الخاصة، يحاول التحرر من كل القيود ليعيد كتابة سردية الحرية وتحطيم اصنام السلطة، يبحث الجسد عن الإنسانية المفقودة ويحاول طرح بدائل قيمية في عصر سيطرت فيه المادة على القيمة، يحاول الجسد كتابة تاريخ جديد فيواجه استبدادا اعظم, من مفهوم الصراع بين الخير والشر انطلقت شادن أبو عسل في تشكيل عرض “ريش” الذي عرض في مسرح المنصور ضمن فعاليات مهرجان بغداد الدولي في دورته السادسة.
“ريش” من أداء عنان أبو جابر وماشا سمعان وسميحة عباس وكاترين هاشم، درامتتورجيا حازم كمال الدين، موسيقى سعيد مراد ومهندس صوت فادي مراد واضاءة محمد شاهين وتنفيذ الديكور يمر حوا، والعمل من تقديم فرقة شادن للرقص المعاصر.
الجسد يكسر كل القيود على الخشبة
يمنح المسرح للجسد الحرية المطلقة لاعادة تشكيل العالم، على الخشبة يصبح الجسد اجسادا، مفكرة، حرة، الجسد أصدق اللغات واولها فحين تمحى الكلمة وتختنق الحنجرة بوجع الكلام ينطلق الجسد يتكلم يثرثر ويصرخ دون الحاجة للاحرف والكلمات، فلغة الجسد شيفرة حقيقية لا تعرف الزيف وعلى الجسد شيدت شادن أبو العسل عملها الصارخ ضد كل اشكال السلطة والقيد، عمل ينتصر لكل أنواع الحرية الفكرية والثقافية والجسدية، حرية اختيار الواقع وتغيير زيف الماضي ان أمكن.
ريش اجساد تصارع الاستيلاب والاستبداد
سيدة من علو شاهق تحرك الشخصيات بحركات يدها واحيانا كلمات وغمغمة غير مفهومة، تلبس اللون الأزرق في احالة الى السلطة الذكورية (الأزرق في المجتمعات العربية يشير الى الذكر) تتحكم في ايقاع اجسادهم، وطريقة حركتهم، تدفعهم الى هوة الحزن ثم ترجعهم الى بوابات الفرحة، و هم اجساد مستلبة لا قرار لها على مصيرها أو كيف تتحرك، شخصية السيدة هي رمز السلطة الاجتماعية والسياسية والدينيةوسلطة الاب وكل أنواع السلطة التي تحاول دائما سرقة الحرية من الانسان ودفعهم لنسيان قيمة التفكير.
من مدينة الناصرة ولد العمل، من المدينة التي “خرجت منها البشارة وخرج منها المسيح مقدما جسده قربانا للانسانية” انتفضت اجساد الراقصين لتعيد تشكيل واقعها، رافضة كل اشكال التسلط، على الخشبة صنعت اجساد الراقصين ملحمة في الحركة انسجمت مع ايقاعات الموسيقي فكانت صدى للروح المنهكة من وجع الاستيلاب، ارواح تدفن أصواتها الصاخبة وتنصت طوعا لكل مستبد.
ينقد العمل العلاقة العجيبة بين الجلاد والضحية، فالضحية احيانا تتلذذ عذابها وترفض التحرر، والجلاد يصبح مرات أقل سطوة وينزل ويترك لضحاياه بعض من مساحات للتفكير، وبين الخوف والتردد من الحرية تتحرك اجساد الراقصين.
المعرفة أول اسلحة التحرر
تصارع الموسيقى الذاكرة المستكينة للهزيمة، تنصهر حركات الراقصين مع قوة الموسيقى والايقاع لكتابة مشهدية بصرية تحفز على السؤال، الجزء الخلفي للركح ستائر صنعت من ورق مملوءا كلمات وحكايات، تستنطها الاجساد فوحدها القراءة والبحث تنجي الانسان من سطوة الاستيلاب.
تكتب شادن أبو العسل في عرض ريش مسارات متعددة للحرية واهمها الفكرية، فالسيدة المتحكمة في الشخصيات برجها عبارة عن مكتبة ومن يمتلك المعرفة يمتلك السلطة، بينما بقية الشخصيات تعجز عن قراءة جملة، والعمل يؤكد هنا على قدرة المعرفة وضروريتها للفلسطيني وللانسان بشكل عام حتى يقاوم السلطة، فالفكرة احيانا اشد قوة من الرصاص، وبناء انسان مفكر أهم من صناعة انسان يتقن استعمال السلاح، فالاستعمار الحديث اصبح ثقافيا وفكريا.
أربع شخصيات تتحرك في الفضاء، شخصية واحدة مسيطرة والبقية يعيشون استيلابا كاملا، إحدى الشخصيات تشبه الدمية، حركات ميكانيكية محسوبة بدقة، تطبيق للاوامر دون نقاش، الشخصية الرجالية احيانا تحاول الانتفاضة وتغيير مسار الحركة لكنها تعود سريعا الى الإلتزام وكأن فكرة الحرية مخيفة.
تصنع الاجساد على الخشبة ملحمة للحرية، تحاول الانتفاض رغم سلطة المستبد، تتراجع الاجساد احيانا الى الخلف كثيرا في إشارة الى العودة لمربعات القيد ثم تتقدم بسرعة وكأنها صوت انتفاضة الشعوب ضد الاحتلال وكل استعمار.
شادن أبو العسل المغرمة بالتحديد في الرقص المسرحي تستعمل دائما لغة الجسد لتكون صدى لافكارها التحررية والرافضة لكل قيد، شادن تجعل الشخصيات تحاول الطيران “شغفي بالطيران كان دائما هاجسا وحاجة ملحة” لذلك اختارت للعمل اسم ريش والبست إحدى الشخصيات زيت اسود صنع نصفه العلوي من الريس لتؤكد هوسها بالطيران رمز للحرية وكسر قيود الفكر والروح قبل الجسد.
ريش عرض يرفض القيد، يستنطق الوجع الفلسطيني ويحوله الى حركات قوية وهادرة، تجربة كوريغرافية ولدت من رحم المعاناة والرغبة المتواصلة في كسر شوكة الاحتلال، باجسادهم وافكارهم يقارع الفلسطينيون اعتى الآلات العسكرية، بالجسد تكتب شادن أبو العسل تاريخ مدينة الناصرة وتشرع نوافذ الحرية لكل فلسطين من البحر الى النهر، اجساد الممثلين صوتا للحرية، للتمرد، ولاثبات الوجود الفلسطيني وان حاول كل العالم صم اذانه عن الحقيقة تظل الافكار الحرة والاصوات الثائرة في فلسطين حية ابدا.