جدة/ منذ لقطاته الأولى يشي فيلم “العملاق” بأنه ليس مجرد حكاية ملاكم، بل محاولة لفهم هشاشة الإنسان حين يواجه قدَره، وتتبّع انبعاث البطل من رماد الفقر والرفض والتحامل وانطفائه حينما يتحدى نفسه.
الفيلم يستعيد السيرة الاستثنائية للملاكم البريطاني ذي الجذور اليمنية نسيم حامد، عبر عدسة المخرج روان أثالي الذي اختار أن ينفض الغبار عن الأسطورة الحية، لا من منظور التمجيد بل من زاوية إنسانية تعري البنية العاطفية لرجل يهوى الاستعراض على الحلبة.
والحلبة التي يتحدى فيها خصومه بقدر ما يستبطن من دونية وعنصرية واستعلاء، تحاكي فضاء مصغرا عن بريطانيا الثمانينيات والتسعينيات حيث الصراع ضد إرث ثقيل من الإسلاموفوبيا والتمييز العرقي.
إلى قلب الهامش، حيث تزهر الحكايات الملهمة والمختلفة، يحملنا الفيلم إلى شيفيلد، إلى الأزقّة التي تكوّن فيها الطفل المتمرّد الذي سيغدو لاحقًا “الأمير” ويظهر السرد كقوس مشدود نحو المستقبل، يرافق صعود نسيم من مساحة التدريب المتداعية إلى مدرجات المجد العالمي.
لكنّ أثالي يرفض أن يسلك الطريق الخطيّ التقليدي للسير الذاتية فهو يضيء الظلال بدل أن يسكب مزيدا من الضوء على الأضواء، وينصت للشرخ الداخلي الذي يتخلّق بين رغبة البطل في التقدّم وبين ثقل الصورة النمطية التي يلصقها المجتمع به.
الفيلم لا يبحث عن البطولة في لحظات الانتصار، بل في تفاصيل الانكسار يقدّم شيفيلد كفضاء مفعم بالفقر والرفض، ويلقي الضوء على الظلم ضد المختلفين في بريطانيا فيظل نسيم دائما “الآخر” محل الشك والتهم.
عبر زمنين تمضي الأحداث، زمن الحلبة التي تشهد الصراع الجسدي، وزمن الحياة الذي يختزن الصراع الرمزي: بين الانتماء والرفض، وبين الصورة الذاتية والصورة التي يفرضها المجتمع.
هذا التشابك يمنح الفيلم إيقاعا داخليا خاصا ويجعل القصة غوصا في التفاصيل الغائبة عن حياة ملاكم من ذوي الأصول المهاجرة في بريطانيا ويعيد إنتاج صورته النمطية عنه، ويزرع العوائق في طريق كلّ من يحمل اسمًا عربيًا أو ملامح شرقية.
الحكي لا يحشر نفسه في زاوية استعادة الوقائع بحذافيرها، بل إن البناء الدرامي يجعل الحلبة انعكاسا للعالم الخارجي فما يحدث داخلها يشبه ما يحدث خارجها من صراع على الاعتراف، وعلى المكان، وعلى الحقّ في الوجود.
وما يميز الفيلم ليس الصعود المدوي للملاكم ذي الأصول اليمنية، بل تلك العلاقة المعقدة التي تجمعه بمدربه بريندان إينغل، علاقة تتجاوز التدريب إلى الرفقة الوجودية، فالمدرب يرى في نسيم طاقة كامنة يمكن أن تنفجر، ونسيم يرى فيه الأب الذي الروحي في واقعه الصعب.
هذه العلاقة كُتبت بشاعرية تكشف هشاشة الطرفين وواقعية ينسجها الصمت والنظرات حيث تظهر صناعة أثالي للصورة وتبدو مشاهد التدريب كطقوس تخفف فكل حركة تحمل معنى، وكل خطوة نحو الحلبة تحاكي خطوة نحو الذات.
والرابط بين الشخصيتين ليس عاطفيا فحسب بل مدخل للتحليل النفسي ومحاولات للإجابة عن عدد من التساؤلات من قبيل كيف يتشكل البطل؟ وكيف يمكن لوجود شخص واحد فقط أن يغيّر قدرا بأكمله؟
وهذا الرابط مفتاح الفيلم، فهو يتجاوز منطق الرياضة ليحيك حكاية عن مسار إنقاذ إنسانٌ إنسانا آخر من حافة مجهولة، وفي كل مرة يعثر فيها نسيم على نفسه، يبدو كأنه يفعل ذلك عبر ذلك الرجل الذي ألهمه كما تحدّاه.
وفي “العملاق”، لا يستثمر المخرج في السيرة لتلميع الأسطورة، بل لمساءلة فكرة الأسطورة نفسها فهو لا يقدّم “الأمير” في نسخته اللامعة التي عرفها الجمهور، بل يرسمه بمداد من قلق وندوب وصمت.
كل التفاصيل تحيل إلى أن كل استعراض على الحلبة هو امتداد لجرح، وكل خطوة راقصة انعكاس لصراع داخلي يحجبه الملاكم عن المتفرجين، ليمرق الفيلم عن خانة التوثيق ويتجه إل المعايشة.
وقصة نسيم حامد هي قصة كل من واجه العالم بيدين عاريتين، وكل من حمل اسمه المختلف كعبء وكمعجزة في الوقت ذاته، قصة كانت تحرك السواكن مع كل لكمة ذلك أن الجمهور يعي جيدا أن خصمه الحقيقي ليس الملاكم الواقف في مواجهته، بل منظومة كاملة من الصور النمطية والأحكام المسبقة.
والسيناريو يقارب الأحداث وكأنه نزال طويل، حيث المشاهد تحاكي اللكمات ويعادل الحوار حركات السيقان المدروسة، وهو يعتمد على البناء المتدرج، وعلى الكشف البطيء لطبقات الشخصية.
شخصية “نسيم” كما يقدمها أثالي تراوح بين السخرية والغضب، وبين الثقة المفرطة والخوف المدفون، وهي تركيبة درامية تجعل البطل موجودا رغم أنف الجميع، لا يمكن التخلص منه كما لا يمكن فهمه بسهولة.
وفي ثنائية الصورة والحقيقة يستثمر السيناريو، أيضا، الصورة التي صنعها نسيم لنفسه فوق الحلبة، والحقيقة التي يعيشها خارجها، مطاردًا بالعنصرية والشكوك والضغط النفسي، ليدفع نسيم ثمن كل انتصار من سلامه الداخلي.
وفي أسلوبه الإخراجي يظهر أثالي قدرة على خلق تناغم حسي بين الصورة والإيقاع، حيث تتنقل الكاميرا مع “نسيم” كأنها جزء من جسده فتهتز في لحظات الغضب وتتحرر في لحظات الانتصار وتنكمش في لحظات الهزيمة على تفاصيل صغيرة كقطرة عرق، أو كدمة على الحاجب، أو ارتجافة في اليد، أو نظرة تائهة تتساءل عمّا ينتظره لاحقًا.
وفي ما يتعلق بمشاهد النزال فهي مشاهد محبوكة بحرفية عالية، إذ لا يكتفي أثالي بتوثيق الحركة، بل يمنح كل ضربة معنى، كأنها امتداد لصراع نفسي تعمقه الإضاءة والألوان حيث يرسم شيفيلد بألوان باردة، بينما يمنح الحلبة ضوءا حارقا يختزن التوتر.
لغة أثالي الإخراجية تحضر بخفة شاعر، تعتمد على الإيقاع الداخلي للمشاهد، وتستثمر التفاصيل الصغيرة لبناء عالم صادق : لمعة العين قبل النزال، الرجفة المتوارية التي تخفي خوفًا قديمًا، الصمت الذي يسبق الانفجار في المدرجات.
هو لا يضخّم الأحداث، بل يترك أثرها يتكون ببطء، من خلال تداخل بين الخارج والداخل، بين ما يريد نسيم أن يكونه وما يُفرض عليه أن يكونه وفي ذروة الصراع يتكثف الطابع الشعوري للفيلم.
أما الأداء، فكان قائمًا على طبقات من الانفعال المكبوت والمعلن، حيث ينسج بيرس بروسنان وأمير المصري وتوي ستيفنز وكاثرين داو بليتون حضورا يتقاطع فيه الضعف بالقوة، والانكسار بالتصعيد الدرامي.
أما أمير المصري فينسج شخصية “نسيم” بحساسية نادرة، يعرض هشاشته دون أن يتخلّى عن كبريائه، ، يمزج الغرور بجرح قديم، والقوة بمراهقة لم تلتئم، ويتحرك بين النبرة الساخرة والرجفة الداخلية دون انفصال، ويمنح الفيلم صدقه العاطفي.
أما بيرس بروسنان، فيصنع شخصية إينغل بجاذبية هادئة نظراته مثقلة بالكلام عن خيبات وأثقال ماض، وإيمان غريب بفتى يرى فيه نبوغا متفردا وهو ما يمنح العلاقة مع نسيم ثقلها الإنساني.
أما كاثرين داو بليتون وتوي ستيفنز فتقدمان أدوارًا مساندة تضيء جوانب من حياة نسيم العائلية والاجتماعية، لكنها لا تتضخم ليحافظ الفيلم على تركيزه الذكي على الثنائية المحورية “نسيم” ومدربه.
والفيلم لا يخفي نبرته السياسية، بل على العكس، يضع الإسلاموفوبيا في قلب المشهد، ويجعل منها خصمًا دائمًا لنسيم، خصمًا لا يتوقف عن الملاكمة خارج الحلبة ويعيد حقيقة العنصرية إلى الواجهة دون مبالغة أو سقوط في فخ الوعظ.
و“العملاق” ليس فيلمًا عن أسطورة فحسب بل عن معنى أن تبقى واقفا في وجه العالم، حتى وإن تعثرت إذ يروي “نسيم” من الداخل، ويخلع عنه عباءة الأيقونة ليمنحه جلد الإنسان العادي، الذي يتعثر، يغضب، ويبحث عن نفسه بين صخب التصفيق وضجيج الأحكام.