المتحف المصري الكبير فضاء يتّسع كلما خطا الزائر خطوة جديدة في داخله، وكأن هندسته صُمّمت كي تُرخي الزمن بين جدرانها، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وحكاياته الأولى.
فمنذ اللحظة التي يلوح فيها التصميم الهرمي العملاق، يتسلّل إلى الداخل إحساس بأن شيئا استثنائيا ينتظر الرؤية، إحساس يرتوي من الامتداد البصري الذي ينساب نحو تمثال رمسيس الثاني، ومن تلك السكينة الغامرة التي تُغلف التفاصيل، وتُشي بأن المكان يؤوي في ثناياه سيلا من القصص.
على أعتاب المتحف، تنفلت الحكاية من حدودها، فيتحوّل الفضاء إلى تجربة انغماس تتجاوز الزمان والمكان ويتقاطع الضوء مع الظلال، وتندمج العمارة مع الذاكرة، وتحاكي الممرات بوابات تُطلّ على نواة الحضارة الفرعونية حيث يلامس الزائر طبقات التاريخ، ويستعيد مع كل خطوة شيئًا من أثرٍ ما زال نابضًا رغم آلاف السنين.
وما إن يقترب الزائر من الردهة الكبرى حتى تنفتح أمامه مساحات واسعة تحتضن آثارا تبدو كأنها غادرت للتوّ من زمنها الأول، صامتة، لكنها تفيض بالحكايات لمن يجيد الإصغاء.
الرحلة في قلب المتحف تبدأ من تمثال رمسيس الثاني، الذي يقف شامخا يتصدّر المشهد ويمدّ ظله على أجيال من العابرين فيما يتوزّع الضوء على ملامحه بطريقة تمنحه دفئًا غير مألوف، فيبدو أقرب وأكثر واقعية من كل ما تحمله الصور والكتب وما يتيحه التخيل.
وفيما يقترب بعض الزوار من قدميه المرفوعتين، يتأملون انحناءات الحجر، ويرفع آخرون رؤوسهم ليتتبعوا خطوط التاج والوجه والكتفين، تيقن أنك أمام أثر نجا من الزمن لأن ما في طياتها من حكي أقوى من كل ما مر عليه.
وفي لحظة ما يتخطى التمثال كونه معروضا صلبا وثقيلا يحيل إلى العظمة ليشكل بداية مسار طويل يعيد التفكّر في معنى الخلود، ومع الانتقال من الردهة إلى الممرات الداخلية، يتخذ المتحف شكلا مختلفا، إذ تبدأ القطع المعروضة في التوزع وفق سرد بصري مدروس.
هذا السرد لا يكتفي بأن يعرّف الزائر بتاريخ القطعة، بل يضعه في علاقة روحية معها، علاقة تسمح له بأن يشعر بقيمة التّفصيل الصغير كما يشعر بعظمة القطعة الكبيرة حيث يتجاور الخشب مع الذهب، والعاج مع الفخار، والحجر مع القماش، في تناغم يحيل إلى قوة الحضارة المصرية ودقتها وترفها.
بجوار صناديق صغيرة ذات رسوم دقيقة يمر الزائر ثم يقف أمام تماثيل صغيرة لآلهة الحماية، تلك التي كانت تُوضع إلى جانب الموتى لحراسة رحلتهم إلى العالم الآخر.
في هذه القطع الصغيرة يشعر المرء بالحميمية، وكأنها رسائل شخصية خُزنت عبر الزمن، رسائل موجّهة من فرد إلى إله، من إنسان إلى مصيره، من حياة إلى أخرى.
لكن الرحلة تكتسب معناها الأكبر حين يقترب الزائر من منطقة توت عنخ آمون، المنطقة التي جرى تصميمها بحيث تبدو كأنها عالم داخل عالم، بوابة تفتح على زمن ظلّت أسراره محجوبة حتى اكتشاف مقبرة الملك الشاب.
الولوج إلى هذا الجناح يكتسي شيئا من المهل وكأن الفضاء يدعو الزوار إلى تخفيف وتيرة حركتهم، لتتماشى مع هدوء القطع التي ظلت محفوظة في ظلمة المقبرة ثلاثة آلاف عام قبل أن تُعرض أخيرًا على الضوء..
أول ما يلفت الانتباه هو الترتيب المتناسق للقطع، ذلك التناسق الذي لا يتكئ على بريق الذهب وحده، بل على هندسة عرض تمنح كل قطعة خصوصيتها، فلا قطعة تطغى على أخرى، ولا أثر يصرخ بحضوره على حساب البقية.
أمام سرير الملك الجنائزي الذي استُخدم في الطقوس يقف الزائر فيبدو السرير، المصنوع من الخشب المغلّف بالذهب، أكثر شاعرية مما قد يوحي به اسمه، هو ليس أداة للنوم، بل للعبور، قطعة تحمل مزيجًا من الرمزية والجمال، وتكشف عن مهارة دقيقة في تصميم الخطوط والزخارف.
وقراءة خاطفة في التفاصيل التقنية للتصميم كفيلة بأن ترسخ الشعور بأن هذا السرير لم يُصنع لملك عادي، بل لملك كان مطلوبًا من طقوس الدفن أن تحميه، وأن تجهّزه لرحلة معقّدة نحو عالم آخر.
وبالقرب من السرير، تلتقي العين بمجموعة من الصناديق المذهّبة ذات النقوش المتشابكة، وكل صندوق منها يمثّل سردية قائمة بذاتها، إذ تخبر الرسوم عن معارك وطقوس ومشاهد أسطورية، مشاهد فيها من السحر ما يكفي لتقحمك في تفاصيلها.
والمتأمل في هذه التفاصيل يشعر أنه يقف أمام رواية كاملة مرسومة بعناية، رواية لا تقصّ حكاية توت عنخ آمون فقط، بل حياة الحضارة التي خلق فيها، وفي كل جانب من الصناديق تظهر آلهة، ورموز، وطائر الصقر وهو يمد جناحيه.
كل اللمسات تؤكد الرابط الذي يمتد بين الحياة والموت، والبشر والآلهة، والإيمان والسلطة، بما فيها العربات الجنائزية التي ترافق الملك في رحلته إلى الأبدية وتحيل إلى الحركة حتى في القطع الثابتة.
فالعجلة المصنوعة من الخشب، رغم ثباتها الطويل، توحي بأنّها ما زالت قادرة على الدوران، وبأن الزمن نفسه لم يفلت منها بعد، كل عربة مرصعة برموز دقيقة، كل خط فيها يرسم قصة، وكل زخرفة تذكّر بقداسة الملك الذي لم يُمهل ليترك بصمات كثيرة في السياسة أو الحكم، لكنه ترك أثرًا أبقى في الفن والطقوس.
لكن يبقى القناع الذهبي الشهير قلب الجناح الحقيقي، وذروته التي لا ينافسها شيء، هذا القناع الذي يتوقف أمامه الزائرون طويلا حتى أن البعض ينسى الحركة تماما لا لأنه قطعة أثرية نفيسة بل لما يحمله في طياتها من أمائر زمن ماض.
أمامه تقف الأعين مشدوهة وتتأمل انحناءات الذهب، وخطوط العينين، والكحل المرسوم بدقة، واللحية الملكية، والحجرين النادرين اللذين يلمعان في موقع البؤبؤ، ليتجلى الملك في كل تفصيل وكأنه لم يغب أبدا.
وبين القطع الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها الجميع، تظهر قفازات الملك التي تكشف عن تفاصيل كانت مخفية عادة خلف رمزية الحكم فهي ليست مجرد زينة، بل دليل على دقة الصنعة وثراء الحياة اليومية للملك.
كما تظهر أيضا الأحزمة، والخواتم، والتمائم، كل منها يقدّم جزءًا صغيرًا من خارطة حياة الملك، وحدها هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الزائر شعورًا بأنه لا يرى الأثر فقط بل يشعر به وينصهر مع سياقه.
وحين يتقدّم الزائر نحو مخرج الجناح، يشعر بأن الزمن يغادر صيغته السابقة ليصبح الماضي جزءًا من مسار يمشي فيه وتتداخل خطوات الأجيال مرة أخرى في الممرات الرحبة: طفل يشير إلى قطعة لافتة، وامرأة تتأمل نقشًا لتقارن بينه وبين ما علق في ذاكرتها من التاريخ، ورجل يشرح لابنه معنى رموز لا يعرفها الابن بعد.
وفي هذا التداخل، يتنقل الزمن بحرية، يمرّ بين الزوار ويترك في دواخلهم أثرًا لا يتلاشى سريعًا، فيغادرون المتحف محملين بيقين بأن المعروضات في المتحف تقترح سردا مخصوصا لمعنى الوجود.
وكل القطع في المتحف المصري الكبير لا تكتفي بتقديم الماضي بل تعيد تشكيل علاقة الزائر بما يؤويه من معروضات بامتداد المكان وشياعه، وبالرحلة الطويلة التي بدأها الفراعنة منذ آلاف السنين وما زالت تمضي معنا حتى الآن.
*زيارة المتحف تمت بنظيم من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي