“الإصلاحات المالية الهيكلية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة”، عنوان مجلس وزاري يحيل إلى منطقة وسطى ضبابية بين الطموحات الاجتماعية والضرورات المادية.
فالعدالة الاجتماعية، بصيغتها المطروحة في الخطاب الرسمي، تظلّ مطلبا مؤجّلا في دولة ما بعد الثورة، تتنازعه الضغوط الاقتصادية والإملاءات المالية الدولية من جهة، ومحدودية الموارد الوطنية من جهة أخرى.
رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، وهي تتحدّث عن إصلاحات هيكلية “تجسّد سياسة الدولة وفق رؤية وطنية شاملة”، تستعيد في الواقع خطابا يسعى إلى تثبيت رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد في الاقتصاد والمجتمع.
هذه الرؤية تستند إلى اقتصاد قائم بالأساس على العدالة لا على السوق، وتنمية تقودها الدولة لا رأس المال الأجنبي، لكنّ المأزق الحقيقي يكمن في ترجمة هذه الرؤية إلى آليات مالية ملموسة لا تكتفي بالشعارات.
فما تطرحه الحكومة من إصلاحات جبائية ومن إعادة هيكلة للمؤسسات العمومية ودفع التشغيل والدمج الاجتماعي، لم يبارح النوايا في المجمل ويتطلب برنامج بمعالم أكثر وضوح.
“إرساء نظام جبائي عادل” و“مقاومة التهرب الجبائي” و“دمج الاقتصاد الموازي”، عناوين تتكرر منذ أكثر من عقد في كل وثيقة إصلاح اقتصادي، دون أن تُترجم إلى نتائج ملموسة.
إنّ التحدّي الأبرز في هذا المسار ليس في صياغة المبادئ، بل في إعادة توزيع أعباء الإصلاح، فحين تتحدث الحكومة عن “مساهمة منصفة لكل الفاعلين”، تتواتر الأسئلة عمن سيتحمل التكلفة.
أما في ما يخص مسألة “التعويل على الذات”، التي باتت من مفردات الخطاب السيادي الجديد، فهي تحمل بعدا رمزيا مهما، لكنها تطرح معضلة عملية، فكيف يمكن التعويل على الذات في اقتصاد يعتمد بنسبة كبيرة على التوريد، وعلى تحويلات التونسيين بالخارج، وعلى القروض الخارجية لتغطية العجز؟
إنّ الدعوة إلى الاستقلال الاقتصادي لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح جذري في نمط الإنتاج نفسه، عبر تشجيع الاقتصاد المنتج والقطاعات ذات القيمة المضافة، دون الاعتماد فقط على إجراءات مالية ظرفية أو حلول ترقيعية.
وفي البيان الصادر عن رئاسة الحكومة إثر المجلس الوزاري المخصص للإصلاحات المالية الهيكلية تأكيد على “المخطط التنموي كإطار مرجعي” وعلى “المنهجية التشاركية التصاعدية”، وهي نقطة إيجابية لو تترجم فعلا على أرض الواقع عبر إشراك المجالس المحلية والجهوية في صياغة المشاريع التنموية.
غير أنّ التجارب السابقة أظهرت أنّ اللامركزية المالية والتنموية ظلت مجرّد شعار في ظلّ غياب تمويل فعلي للجهات وقدرات تسييرية حقيقية على المستوى المحلي.
وإن أسهب الخطاب الحكومي في الحديث عن العدالة الاجتماعية، إلا أنه لا يوضح الآليات التي ستضمنها في مواجهة التضخّم وتدهور القدرة الشرائية، فالإشارة إلى “حماية منظومة الدعم” تظلّ غامضة ما لم تُرفق بخطة إصلاح واضحة تراعي الفئات الهشة وتوازن بين العدالة المالية والعدالة الاجتماعية.
من زاوية سياسية، يعكس المجلس الوزاري محاولة لترميم الثقة بين الدولة والمجتمع عبر وعود جديدة بالإنصاف الجبائي والتنمية الجهوية، وهو أيضا رسالة موجهة للخارج بأنّ تونس تسعى إلى “إصلاح ذاتي” دون إملاءات خارجية.
لكنّ التوازن بين السيادة الاقتصادية ومتطلبات التمويل الخارجي يبدو هشّا، ذلك أي تأخير في تحقيق نمو فعلي أو في تقليص العجز سيعيد البلاد إلى مربع التبعية المالية.
وإن كان الخطاب الرسمي يكرس الوعي بعدم العدالة ويسعى إلى الإنصاف من خلال جملة من الإصلاحات التي تتطلب مزيدا من الوضوح فإن الأدوات المالية والمؤسساتية لم تحقق التغير الذي يحقق المعادلة بين الاقتصاد القوي والعدالة الاجتماعية.