في فيلمها “فلسطين 36″، تعود المخرجة آن ماري جاسر إلى واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الفلسطيني : سنوات ما قبل النكبة، حيث كانت الأرض تغلي بالمقاومة، وحيث تشكّلت ملامح المأساة القادمة تحت وطأة الاستعمار البريطاني.
بين البحث التاريخي، وصعوبة الإنتاج، والحرب المستمرة، تصنع المخرجة فيلمًا يرى المقاومة فعلا جماعيا يوميا، لا بطولة فردية صاخبة، ويمنح المكان (فلسطين ) دور البطولة الخفيّة. وفي حوار مع رياليتي أون لاين، إثر عرض الفيلم في افتتاح أيام قرطاج السينمائية، حملتنا المخرجة آن ماري جاسر إلى كواليس التجربة وأسئلتها الجمالية والسياسية.
عدتِ في «فلسطين 36» إلى لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني، لحظة ما قبل الكارثة. ما الذي أردتِ استعادته من هذه السنة تحديدًا؟
لطالما سمعتُ حكايات عن ثورة 1936، من المهم أن نفهم ما قبل 1948، وكيف وصلنا إلى هنا اليوم. من عائلتي كنت أسمع الكثير عن تلك المرحلة، وشعرت برغبة في إنجاز عمل يعود إليها. الاستعمار البريطاني هو أصل الاحتلال، ونحن نعيش اليوم نتائج هذا التاريخ.
ماذا عن صعوبات الإنتاج؟
هذا الفيلم يتطلب ميزانية ضخمة، ونحن في فلسطين لا ننتج عادة هذا النوع من الأعمال، ولا يوجد دعم أو تمويل كافٍ. استغرق الأمر نحو ثماني سنوات للبحث عن تمويل، وكان الإنتاج مشتركًا، وجاء جزء كبير من التمويل من جهات عربية مثل الدوحة، والبحر الأحمر، وآفاق.
كثير من الممولين أرادوا رؤية شيء “مختلف” ، شيئًا يمكن للجيل الجديد أن يتفاعل معه. ومن وجهة نظرنا، كان السؤال الأساسي: ماذا حصل فعلًا في تلك الفترة؟ وكيف نرويها من داخلها، بأصواتنا؟
المكان في الفيلم يبدو كأنه بطل خفي. كيف اشتغلتِ على تحويل فلسطين من خلفية جغرافية إلى كيان حيّ يتنفس داخل الصورة؟
المكان هو جزء أساسي من الحكاية. عندما اندلعت الحرب، اضطررنا للتوجه إلى الأردن، وصوّرنا في قرية شمالية قريبة من الحدود الفلسطينية والسورية واللبنانية.
بالتزامن مع المجازر كان الأمر صعبا على مستوى الإنتاج إذ اضطررنا إلى التخلي عن كل ما تم التجهيز له للتصوير في فلسطين ، بالإضافة إلى المشاعر الصعبة ونحن نحاول الاستمرار في العمل على الفيلم.
بالنسبة لي، كان الأمر مؤلمًا، لأن الأرض ليست مجرد موقع تصوير، بل هي قلب الفيلم. ومع ذلك، أكملنا التصوير في الأردن، ثم عدنا في النهاية إلى فلسطين بطاقم أصغر لتصوير المشهد الأخير في القدس.
كنت مصمّمة على التصوير في القدس نفسها، لا في مكان يشبهها.. كان هناك طيران وقصف وكل المنطقة تمضي نحو المجهول، لكن مشهد الختام، حيث تجري “عفراء” في القدس، هو إحالة واضحة إلى استمرارية المقاومة. نحن نعرف طريقنا إلى القدس، والجيل الجديد سيكمل الطريق.
بعض المنتجين اقترحوا إنهاء الفيلم بمشهد مظاهرة، لكنني أردت نهاية مختلفة: طفلة، أمل، مستقبل. في الحوار بينها وبين جدتها تقول لها: «إنتِ عندك الأقوى من إمبراطورية الانجليز». نحن سنستمر.
اخترتِ الابتعاد عن البطولة المباشرة في تصوير المقاومة، مقابل مقاومة يومية صامتة. لماذا هذا الخيار؟
بالنسبة لي، من المهم الغوص بين الطبقات الاجتماعية.
مقاومة الفلاحين مثلًا أربكت الإنجليز، فلم يفهموا كيف يمكن السيطرة عليهم، لذلك جلبوا المزيد من الجنود والعتاد، لأن الخوف من الشعب كان يسكنهم.
الفيلم لا يتمحور حول شخص واحد، لأن الثورة كانت جماعية. لم أرد فيلمًا تقليديًا، شعرت أن المسألة أكبر، ويجب أن نركّز على التفاصيل الصغيرة: النقاشات بين الأجيال، الحياة اليومية، التكاتف.
فلسطين هنا جامعة للكل، والفيلم يظهر المساهمة المسيحية في الثورة؟
الفيلم يُظهر أيضًا دور المسيحيين في الثورة، وهذا هو الواقع: في كل مكان، المسيحيون والمسلمون كانوا جنبًا إلى جنب في المقاومة. عندما يشاهد الأوروبيون الفيلم يسألون باستغراب عن وجود المسيحيين، لأنهم ينظرون إلى القضية من زاوية دينية، بينما هي في جوهرها قضية أرض.
الشخصيات في الفيلم ليست خيرًا مطلقًا أو شرًا مطلقًا؟
“أمير” الذي أدّاه ظافر العابدي، وهو يحب فلسطين، وكان من المهم أن يكون حاضرا في الفيلم، أنانية تبحث عن التموقع لكنها لا تعلم أنه بعد عشر سنوات ستقع النكبة. لا يوجد أبيض أو أسود في الشخصيات.
ماذا يعني عرض الفيلم ضمن أيام قرطاج السينمائية بالنسبة لك ؟
عرض الفيلم في أيام قرطاج السينمائية مهم جدًا بالنسبة لنا كفلسطينيين، لأن لنا تاريخًا هنا، ونحن بين أهلنا. تونس بلد الثورة، يفهموننا ونفهمهم. المهرجان من أقدم وأهم المهرجانات في العالم العربي وإفريقيا، والافتتاح في هذه الفترة بالذات له معنى كبير، في وقت يحاول فيه العالم محو الحديث عن فلسطين.
نسمع أصواتكم في فلسطين، وحتى في العتمة، يجيء الضوء من تونس.