“السِّراط جسرٌ بين الجحيم والفردوس، إذا أردت أن تعبره عليك أن تعرف أنه أحدّ من السيف وأرقّ من الشعرة”، جملة بملامح غيبية يفتتح بها المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس فيلمه “سراط” الذي عرض في مهرجان الجونة السينمائي.
وفيما تتصاعد الموسيقى الالكترونية في العراء لتحاكي أبواق القيامة، يجرد لاكس مفردة السراط من بعدها الغيبي الديني ويلبسها آخر دنيوي جلي ويختبر عبور الإنسان في الحياة نفسها، لا الآخرة.
الفيلم امتحان للوجود يتخذ فيه الجحيم والفردوس وجهين آخرين ويمضي ويغادر الميتافيزيقي إلى الإنساني، والوعد الأخروي إلى التيه الأرضي، ويصنع من جملةٍ مألوفة في الموروث الديني تجربة حسية فكرية تتجاوز اللغة والمكان.
هذه التجربة تُحاكي الإنسان في لحظته الهشّة، وهو يسير فوق حقل ألغامٍ لا يعرف متى ينفجر تحت قدميه ولكنه يأبى أن يقف حيث هو ويسير في نهج تتنازعه التناقضات والمفارقات ولكنه خاضع لاختياره.
بلقطة بطيئة لجبال الجنوب المغربي يبدأ الفيلم ويتسرب النور ببطءٍ كما لو أنه يختبر الأرض قبل أن يضيئها، ويملأ الصخب الفضاء وفي ثنايا الصدى يزرع لاكس قصة أب يصحب ابنه ليبحث عن ابنته التي انقطعت بهما السبل إليها.
ولم يكن البحث عن الابنة المفقودة محور للحكي فحسب بل أيضا ذريعة للتماسّ مع ما في الإنسان من هشاشةٍ ورغبةٍ في الفهم، ويهمس لنا المخرج منذ البداية بأنّ ما نراه رحلة بحثٍ عن معنى الوجود ذاته، عن إمكانية البقاء واقفًا على حافة العالم.
وفي مراوغة مثيرة للتشويق ترتطم الكاميرا بفتاة وتتفحص تفاصيلها دون أن تكشف كل ملامحها حتى يخلق لدى المشاهد انطباعا بأن الابنة المفقودة موجودة في حفلة الالكترو الصاخبة.
ومع حلول الجيش المغربي لإخلاء المكان تتخذ الرحلة منحى آخر ويلاحق الأمل خيط أمل في لقاء ابنته في حفلة أخرى علم بها حينما كان يسأل عنها بين أفواج المنتشين بالرقص والموسيقى وأشياء أخرى.
في تمرد على خط سير الإخلاء تغير سيارتين المسار في محاولة للالتحاق بالحفلة الأخرى في قلب الصحراء ويتبعهما الأب وابنه وتتغير كادرات التصوير وتتواتر مشاهد الشروق والغروب.
مع التحولات الدقيقة للظلّ، تنكشف الفكرة الكبرى للفيلم وهي أن السراط ليس جسرا واحدا للعبور، بل حالة مستمرة من العبور بين ضوءٍ وظلّ، بين إيمانٍ وشكّ، بين خلاص وفقد، وتتحرك الكاميرا على مهل، خشية أن تبدّد الحالة المحيطة بالشخصيات.
في الأثناء يبدو الأب كمن يحمل أثقال العالم على كتفيه، ويجر الابن خلفه طفولته الممزقة بين الطاعة والرغبة في عناق أخته، وكلّ منهما يسير على خيطٍ غير مرئيّ يربطه بالابنة الغائبة التي صارت رمزًا للفقد، ومرآة لكلّ ما هو ناقص في الحياة.
في هذا السير المرهق، يتحول المكان إلى معادلٍ روحيّ، والرحلة إلى امتحانٍ للروح، والمشهد الواحد إلى صلاة صامتة تتلوها الكاميرا بعيون مفتوحة على أرواح تخففت من أجسادها على إيقاع موسيقى تصرخ ضد الهدوء.
هذه الموسيقى التي مزقت في البدء سكون الجبال وأعادت تشكيل إيقاع العالم، كانت ترافق الصورة وتستفزها وتذكّرنا بأنّ الإنسان لم يعد قادرًا على الإصغاء، وأنّ الضجيج صار لغته الأولى.
هذه الموسيقى التي تهدر وتغلي وتراوح بين الانفجار والانطفاء، تصنع مفارقةً بصرية صوتية تشبه الصراع بين الحضارة والطبيعة، وبين الروح والجسد، وبين الصمت الذي يمنحنا الخلاص والصوت الذي يفضحنا أمام أنفسنا.
وبينما يتلاشى صوت الموسيقى وتتوقف الأحداث لوهلة نسمع خلالها آيات من القرآن الكريم التي ألهمت المخرج عنوانه، وكأن الفيلم ينبهنا إلى أننا نعبر السراط يوميًا على إيقاع الصخب الداخلي، وأنّ النجاة قد تكون مستحيلة ما لم نتعلم الإنصات.
والمخرج لا يتعامل مع الآية بوصفها مرجعا لاهوتيًا، بل بوابة أخرى تعيد للإنسان مسؤوليته عن اختياره ففي سراطه يحاول تحييده وتعريته من الغيببة وترسيخ فكرة أن خياراتنا هي التي تصنع جحيمنا أو فردوسنا.
هنا يتحرّر النصّ من الديني ويوغل في الإنساني من خلال شخصيات تتناثر في هذا الفضاء الرحب وتشكل مزيجا من البطولة والهشاشة، ملامح لجسدٍ إنسانيّ واحدٍ مثخنٍ بالجراح، كل منها يحمل ندبة مرئية أو غيابًا موجعًا: طرفٌ مبتور، عينٌ تائهة، أو ذاكرةٌ مثقوبةٌ لا تكتمل أبدا.
والجرح في “سِراط” ليس أثرًا للألم، بل دليلٌ على الوجود وكأن الإصابات تشدنا إلى الحياة أكثر، وكأن الوجع يعطي معاني أخرى للوجود ويفتح الأعين على مسارات أخرى للتفكير والتأمل.
حتى الكلاب التي تلاحق الشخصيات في مساراتها الوعرة، تُشبه البشر في نظراتها، تحمل في عيونها دهشة الوجود وخوفه، هم شهود على عبورنا المتكرر بين إنسانيتنا ووحشيتنا، ليسوا تفصيلا هامشيا بل انعكاس لما في الإنسان من بدائية ونقاء وقلق أبديّ.
الكاستينغ دقيق حدّ الألم، وجوه فيها صدق خام لا يمكن اصطناعه وملامح لا تحتاج إلى كلمات، وأجساد تقول الكثير، وأداء منصهر مع الطبيعة، والممثلون يعيشون أدوارهم كما هي فباستثناء الأب (سيرجي لوبيز) وابنه (برونو نونيز) البقية ألفوا حفلات الالكترو وألفتهم.
في الفيلم تتداخل اللغات كما تتداخل المجازفات والخيبات؛ العربية والانجليزية والفرنسية والإسبانية، كلّ صوت يجرّ معه ذاكرة وثقافة وهاجسا، لكنّها جميعا تلتقي في المعنى ذاته: الضياع.
إن المخرج لا يوحد الألسن، بقدر ما يوحّد التيه فيجعل من هذا المزيج اللغوي مرآةً لفوضى الوجود، لكائنٍ يبحث عن معنى في عالمٍ لا يتكلم لغته الخاصة، لتتحول اللغة من وسيلة تواصل إلى علامة انفصال وهو ما يتعزز في مشهد يطلب فيه رفاق الطريق المساعدة من محلي بكل اللغات ولكنه يتركهم ويمضي.
والضوء في الفيلم بطل متخفّ فكل شيء مصوّر بإضاءة طبيعية تمتد من الشروق إلى الغروب ويتحول فيها الضوء من عنصر بصري إلى بنية فكرية وفي كلّ مشهد يتغيّر كما تتغيّر الحالات النفسية والذهنية للشخصيات.
كل عناصر الفيلم متظافرة تؤدي إلى أسلوب لاكس الإخراجي الذي يميل إلى البساطة التي تُخفي تعقيدها، على نسق إيقاع بطيء كأنّه النفس الأخير قبل الاختناق، ومونتاج تعيش فيه اللقطة إلى آخر رمق.
الطبيعة في “سراط” كائن درامي واللقطات طويلة، متأنية، تمسك بالزمن وتجعل من الإيقاع السينمائي طقسا تأمليا والكادرات مشبعة بضوء طبيعي، يترك للشمس أن تنحت الوجوه والظلال.
لغة الفيلم صوفية، لا دينية، بل روحانية جمالية، والحوار شحيح، كأن المخرج يريد أن يعيد الإنسان إلى الإصغاء إلى ذاته وإلى الكون من حوله ليتقاطع مع فلسفة السينما التأملية حيث الصورة ليست وسيلة للحكاية بل سراطا للتطهر.
ومن هنا يقحم لاكس المشاهد في بطئ حتمي يتواطؤ مع الزمن ليعيد النظر في علاقة الإنسان بالحياة وتذكر كل لقطة بأن الجمالية لاتكمن في الأحداث ذاتها بل في انتظارها، وأن العبور الحقيقي لا يتم إلا عبر الألم.
جماليات الصورة والمكان تخدم هذا المعنى فالألوان الترابية، تخلق انسجاما بين الإنسان والطبيعة، في حين يبرز الضوء المتوهج في اللحظات المفصلية رمزا للإشراق بعد العتمة.
وبين العنف البصري والرهافة الروحية، بين الحسيّ والمتعالي، بين الصمت والصوت، بين الطبيعة والإنسان يتأرجح “سراط” ويدفعنا لامتحان ما تبقى من إنسانيتنا ويعلقنا على جسر من التساؤلات.
جسر رقيق وحاد يمر فوق هوة سحيقة تحاكي تفاصيلها حدة جبال المغرب وتحرك الكثبان الرملية في صحراء الجنوب وإضطراب الأنفاس يمده الفيلم ليعبر كل منا سراطه الخاص، بخطاه المرتجفة، وبإيمانه الذي يتأرجح بين السقوط والخلاص.
لكن المخرج لا يمنحنا نهاية واضحة وكأن السراط في مخياله لا متناه وهو ما يتجسد في اختيارات اللقطات التي تمنح الطريق وجوها كثيرة وتتعمد أن تجعله بلا حد ليحاكي نهجا لا يرضى باليقين ويهوى فتح أبواب الشك الجميل.