حاورته : مرام حمراني*
يعتبر المخرج والممثل الشاب طلال أيوب أحد الوجوه الجديدة والواعدة في الساحة المسرحية. ولعل التكوين الأكاديمي لطلال أيوب المتخرج من المعهد العالي للفن المسرحي بتونس، ومن مدرسة الممثل للمسرح الوطني التونسي وباحث في الماجستير المهني بالمدرسة العليا للسمعي البصري بتونس قد صقل موهبته الفنية التي آتت أكلها من خلال تتويجه في عديد المرات محليا ودوليا.
رياليتي أونلاين التقت أستاذ المسرح طلال أيوب خلال الدورة 26 لأيام قرطاج المسرحية مناسبة للحديث حول عديد المواضيع ذات العلاقة بهذا الحدث المسرحي السنوي الأبرز على الساحة الوطنية.
كيف تقيّم هذه الدورة من حيث البرمجة، وجودة العروض، وتنظيم المهرجان؟
أوّلًا، يمكن القول إنّ هذه الدورة كانت دورة التحدّي. لأنّ تسمية مدير التظاهرة تمت بشكل متأخر. ورغم الضغوطات فقد حاول منير العرقي، مدير الدورة، تطوير المهرجان لكن على مستوى الشكل فحسب وليس فنّيا، لأنّ الدورة السابقة كانت أقوى في هذا الجانب.
هذه الدورة عرفت تغييرات شكلية واضحة، خاصة في مجال الندوات الفكرية، حيث لم تعد هناك ندوات تقليدية، بل تمّ تعويضها بـ”الفوروم”، وهو فضاء حواري وليس ندوة رسمية.
وكانت هناك أسماء مهمّة جدًّا، مثل باتريس بافيس، صاحب “قاموس المسرح”، وهو اسم عالمي كبير.
من جهة أخرى، كان هناك عرض مهمّ مثل العرض المصري “الملك لير” بطولة النجم الكبير يحيي الفخراني. وهو عرض مهم لأنه قرّب المسرح من الناس، خاصة أنّ الجمهور عادة لا يتفاعل كثيرًا مع الأعمال النخبوية أو الثقيلة في الفهم.
ومن أهمّ النقاط أيضًا استمرار مسرح الحرية أو مسرح السجون، وهو تجربة فريدة عالميًا، وتُعتبر تميّزًا تونسيًا أصيلًا. كما كانت هناك أعمال تونسية مثل “الهاربات” التي فازت بالـتانيت الذهبي و و”جاكراندا” الحائزة على التانيت البرونزي.
كما كان مسرح الأطفال حاضرًا بقوة، إضافة إلى مسرح الهواية. وكانت هناك عروض ضخمة في المسابقة مثل العرض العراقي “الجدار” الذي شارك فيه 250 ممثلًا، وهو عدد مهم ويُظهر جهدًا كبيرًا.
لكن، ورغم ذلك، أرى أنّه كان من الضروري استمرار مسرح الشارع، باعتبار أنّنا من مؤسسيه، وكان من الأفضل إدراج مسابقة عربية – إفريقية لمسرح الشارع أيضًا. كما أننا بحاجة إلى الاستئناس بخبرة أسماء عالمية كبرى بإمكانها أن تثري المهرجان، وربّما يكون ذلك ممكنًا في الدورات القادمة.
أمّا الجمهور، فقد كان حاضرًا بقوّة، رغم أنّ بعض العروض لم تشهد إقبالا كبيرًا. لكن بشكل عام كان الحضور ممتازًا. المشكل الوحيد تقريبًا كان على مستوى التوقيت، لأنّ هذه الفترة تُصادف الامتحانات بالنسبة للتلاميذ والطلبة، إضافة إلى ضغط العمل بالنسبة للأساتذة. هناك نقطة أخرى مهمّة وصعبة في نفس الوقت، على المستوى اللوجستي. من الضروري أن تفكّر أيام قرطاج المسرحية في الانتقال إلى الجهات، أو على الأقل تقديم عرض أو عرضين في كلّ ولاية، حتى لا يبقى الاحتفال مقتصرا أو حكرا في العاصمة فقط، بل يكون موجّهًا لكلّ التونسيين لكن، مع ذلك، يجب الاعتراف بأنّه كانت هناك مجهودات كبيرة من الفريق المشرف على الدورةبقيادة المخرج منير العرقي الذي قام بعمل مهم مما يدل دون أدنى شك أن هناك إرادة حقيقية للتطوير.
لو نقارن بين الدورة السابقة والدورة الحالية. ما هي مكامن الاختلاف ربما أو التطور؟
أيام قرطاج المسرحية منذ تأسيسها لطالما حملت مشعل الدفاع عن القضايا الإنسانية والقضايا العادلة في العالم. الدورة السابقة تحديدًا كان موضوعها واضح، لأنها جاءت في سياق حرب إبادة يرتكبها الكيان الصهيوني، وبالتالي لم يكن من الممكن أن نتحدّث عن أي شيء آخر غير القضايا العادلة كقضية الحرية، وفلسطين. لذلك كانت تلك الدورة مخصّصة لفلسطين بشكل كامل أمّا هذه الدورة فالحرب في غزة توقفت مبدئيا وبالتالي فكان هناك نقطتين مهمتين و هو كيف يمكن للمسرح أن يقترب أكثر من الناس؟ هذا كان السؤال الأول الذي طُرح، وهو بوابة للحديث عن الجانب الاجتماعي للمسرح ودوره في التغيير والوعي ثم نجد الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتطورة. وهذا كان العنصر الثاني المهمّ جدًّا، وقد لاحظنا تجلياته من خلال الكثير من العروض والورشات. نحن نعيش فترة حسّاسة في تاريخ البشرية تقنيًا، وهذا التطوّر بدأ ينعكس حتى على المسرح. ورغم أنّ المسرح قائم على جسد الممثل وروحه الحيّة، إلا أنّه اليوم مُطالب أيضًا بمواكبة التطور من خلال أدوات مثل الذكاء الاصطناعي أو الهولوغرام أو غيرها من التقنيات الحديثة.
من الضروري أن تفكّر أيام قرطاج المسرحية في الانتقال إلى الجهات، أو على الأقل تقديم عرض أو عرضين في كلّ ولاية، حتى لا يبقى الاحتفال مقتصرا أو حكرا في العاصمة فقط
تعرّضت الدورة 26 من أيام قرطاج المسرحية لعديد الانتقادات. ومن أبرزها تصريح المخرج أحمد السويعي في مقابلة مع وكالة “الأناضول”، حيث اعتبر أنّ التوافق بين الشعار والعروض كان ضعيفًا، وقال إنّه لم يجد عرضًا واحدًا يمكن اعتباره مقاومًا بالمعنى الحقيقي. كما أشار إلى أنّ العروض لم تعكس بوضوح مضمون شعار الدورة 26ما رأيك في هذا الموقف ؟
الحوار الذي أدلى به كان فيه الكثير من المبالغة لأنّه ببساطة لا يمكن للمهرجان قبول إلا عروض المقاومة أو العروض الملتزمة، أو الفرض على المخرجين أن يعملوا فقط على موضوع معيّن. هذا غير ممكن. الشعار ليس معيارًا لاختيار العروض. الشعار يُفعَّل في الندوات، في الحوارات، في الورشات، في النقاشات الفكرية… لا في شروط قبول الأعمال. أيام قرطاج المسرحية لا تنتقي عروضها بناءً على “حجم المقاومة” أو “درجة الالتزام”. هي تختار أفضل العروض العربية والإفريقية الموجودة في الساحة طيلة الموسم. وتوجد لجنة تضمّ حوالي 8 أو 9 أعضاء من أهل الكفاءة يشاهدون الأعمال ويختارون الأفضل فنّيًا، لا الأكثر مطابقة للشعار. لذلك، الحديث عن أنّ العروض يجب أن “تنتمي للشعار” غير منطقي، لأنّ المهرجان ليس مؤسسة إنتاج، ولا يقدّم “تكليفات” للمخرجين حتى يفرض عليهم موضوعًا محددًا.
هل ترى إذن أن شعار الدورة نجح في التأثير على طبيعة العروض، أو في تجسيد “روح الشعار” على الركح؟
الشعار ليس دوره أن يُغيّر شكل العروض أو يفرض محتواها. الشعار يُجسَّد في البيئة الكاملة مثل الندوات وفي الحوارات وليس في العروض نفسها هذه الدورة تحديدًا شهدت عناصر مهمّة وحضور البرمجاتور (مبرمج العروض) الخاص بـأفينيون أوف، وهذا مكسب كبير لأنه يفتح شبكة علاقات للمسرحيين نحو الخارج وإقامة ورشات في العلاج بالفنّ وورشات لذوي الاحتياجات الخصوصية وأطفال التوحّد. واستمرار مسرح الحرية (مسرح السجون)، وهو مشروع يحمل رسالة اجتماعية عميقة. كلّ هذه العناصر تعكس “الوعي”، وتعكس “التوجّه”، لكن ليس مطلوبًا أن تُترجم مباشرة في عروض المسرح. الشعار هو موقف أيام قرطاج المسرحية تجاه ما يحدث في العالم، وليس قاعدة إلزامية.
ما هي العروض التي نالت إعجابك في هذه الدورة؟
طبعًا، كانت هناك عديد العروض التي لفتت الانتباه. أوّلها العرض التونسي “الهاربات” الفائز بالجائزة الأولى، وهو من أروع العروض فعلًا. هو عمل قوي جدًّا، يستحقّ كلّ التتويج الذي ناله. هنالك أيضًا “جاكراندا”، وهو عرض تونسي مهم، مليء بالرمزية، ويحمل إسقاطات واضحة على الواقع السياسي في تونس. ونحن نعلم أنّ المسرح أصلًا قائم على الفعل السياسي والرمزية. ومن بين أقوى العروض كذلك العرض العراقي “الجدار”، وهو عرض ضخم، يناقش القمع والرقابة وهوعرض فيه جرأة كبيرة، ونوع من الحرية الفنية التي لا تستطيع كلّ البلدان تقبّلها، لأنّ هذا النوع من المسرح مسرح الانتقاد المباشر ليس مقبولًا دائمًا في كلّ المجتمعات. لكنّه من أقوى عروض الدورة بلا شك.
أما بالنسبة للعروض الجانبية التونسية والعربية، فهناك العرض الليبي الذي كان عرضًا جيّدًا ومحترمًا. وفي تونس، ظهرت مجموعة من الأعمال المهمّة مثال أعمال نعمان. كلّها كانت أعمالًا محترمة وجديّة. شخصيًا، أغلب ما شاهدته كان العروض التونسية وعروض المسابقة الرسمية. أما العروض الأجنبية فلم أتمكن من مشاهدتها بحكم مشاركتي في مهرجان عمّان الدولي باعتباري عضو لجنة تحكيم في مسرح الشارع. ورغم ذلك بقيت أتابع بقية العروض عن بعد، عبر البث المباشر والمتابعة اليومية.
كيف تقيّم حضور العروض التونسية القوي في الدورة 26 من أيام قرطاج المسرحية ؟
بالتأكيد. الحديث عن الحضور التونسي لا يمكن أن يكون الا قويا، وهذا أمر طبيعي. لأنّ تونس هي البلد العربي الوحيد الذي ينتج حوالي 300 عملا مسرحيا سنويًا بين محترفين، وهواة، ومسرح أطفال، ومسرح شبابي، وحتى عروض مسرح الشارع.
ورغم كلّ الإشكاليات المالية والمادية والتنظيمية (لأنّ العديد من الشركات والجمعيات المسرحية تعاني، ولأنّه لا يوجد قانون واضح للفنان، ولا منظومة تدعم الإنتاج، وحتى مسألة خلاص العروض فيها مشاكل… فالعرض قد يبحث عن دعم سبعة أشهر ، ومع ذلك يجب على الفرقة أن تدفع ثمن التنقّل والإقامة من البداية—ورغم أنّ سعر العرض مازال نفسه منذ سنوات طويلة…) الا أنّ المسرح التونسي يواصل المقاومة، ولم ينزلق نحو المسرح التجاري البحت. فحتى العروض التجارية الموجودة تحافظ على روحها النقدية والفكرية والسياسية، وهذا جزء من هوية المسرح التونسي.
ولدينا أيضًا أعمال مهمّة، مثل ما يقدّمه الفاضل الجزيري من كوميديا أو الحلم، وهي أعمال تجذب جمهورًا واسعًا، وقد شاهدنا في أيام قرطاج إقبالًا كبيرًا في أغلب القاعات، خاصة في العاصمة لكن في الجهات، الوضع يختلف فالحضور الجماهيري يرتبط بحسب أهمية ومكانة التظاهرة. وأعطي مثالًا فقد شدّني وأنا الآن في مهرجان خليفة السطنبولي بالمنستير الحضورًا الجماهيرالجماهيري الكبير. لذلك، من المهمّ اليوم التفكير في كسر المركزية الثقافية وتوزيع النشاط المسرحي على كامل الجهات، لأنّ الحركة الكبرى في المسرح تبقى مركّزة في العاصمة.
اختارت لجنة تنظيم المهرجان عرضًا أجنبيًا لافتتاح الدورة 26 من أيام قرطاج المسرحية بدل عرض تونسي، وهو ما أثار جدلًا لدى بعض المتابعين الذين اعتبروا ذلك تهميشا للإنتاج المحلي . ما رأيك في هذا الاختيار؟
اولاً افتتح المهرجان كان من خلال عرضين. عرض فاضل الجعايبي وعرض يحيى الفخراني. أن نفتتح المهرجان بعرض دولي او عرض تونسي فهذا محل اختلاف في الرأي بين الناس. قرأت ما كتبه توفيق الجبالي والعديد من المخرجين حول اختيار عرض تونسي. ثمّ أنه يجب التأكيد على نقطة أساسية حيث أن الافتتاح كان بعرض مصري ضخم يضمّ ممثلًا كبيرًا وله حضور ركحي وشعبية جماهيرية.
وجود الممثل الكبير” يحيى الفخراني” لعب دورا كبيرا لجلب الجمهور حيث شهد العرض إقبالًا جماهيريًا واسعًا ونُفدت جميع التذاكر ، كما أنّ عددًا من الراغبين في الحضور لم يتمكّنوا من الحصول على تذاكر حتى في اللحظات الأخيرة، وذلك بالنظر إلى قيمة الممثل وحجمه الفني الكبير في مصر والعالم العربي وهذا في حدّ ذاته نوع من الدعاية المهمّة للمهرجان حيث حضر عدد كبير من الجماهير لاقتنعهم بحرفية يحي الفخراني ونجاح العرص.
في المقابل، عندما تمّ في الدورة 25 تقديم عرض مثل “درس للمسرح” وهو من أعمق الأعمال المسرحية فكريًا، خرج عدد كبير من الجمهور غير راض ، لأنّه عرض ينتمي إلى ما بعد الحداثة، ونحن في تونس لا نعيش أصلًا هذا السياق الفكري.
لذلك بدا أنّ هناك مراجعة للتجربة بعد الدورة 25، وتمّ اختيار افتتاح يجذب الجمهور الواسع. ومع ذلك، لم يكن الافتتاح أجنبيًا فقط، فقد كان هناك افتتاح تونسي من إخراج الفاضل الجعايبي كما ذكرنا. ولا ننسى أيضا أن اختتام المهرجان كان بعرض تونسي من إنتاج المهرجان نفسه لـ “حسام الساحلي”.
الإشكال الحقيقي ليس في “عرض أجنبي أو تونسي”، الإشكال هو في رفض التغيير. في تونس نخشى التغيير ونرى في أي قرار جديد تهديدا، سواء في المسرح أو في مجالات أخرى. و لا نتقبّل ذلك إلا بعد مرور سنوات.
هل تعتقد أنّ افتتاح المهرجان بعرضٍ أجنبي يمكن أن يؤثّر على مكانة المسرح التونسي اليوم؟
أنا أرى أنّ افتتاح العروض المسرحية يجب أن يكون بعرضٍ أجنبي فقط، وهذا رأيي الشخصي
الإشكال الحقيقي ليس في “عرض أجنبي أو تونسي”، الإشكال هو في رفض التغيير. في تونس نخشى التغيير ونرى في أي قرار جديد تهديدا، سواء في المسرح أو في مجالات أخرى.
ما رأيك في توزيع الجوائز في الدورة 26؟؟
أنا لم أشاهد كلّ العروض. شاهدت عددًا من أبرز الأعمال، مثل «الهاربات»، و«جاكراندا»، و«الجدار»، وهي عروض قويّة وتستحقّ ما نالته من اهتمام. بقية العروض لم أتمكّن من متابعتها كلّها. لكن إذا تحدّثنا عن عرض «الهاربات» تحديدًا، فهو من أرقى ما قُدّم في تونس، سواء من حيث التمثيل أو الاشتغال الفني أو المسار العام للعمل، وهو عمل من مستوى ذهبي بامتياز. المسرح التونسي، في تقديري، يُعدّ من أقوى المدارس المسرحية في العالم العربي وإفريقيا، سواء من حيث النصوص أو الفرق أو شركات الإنتاج.
تُعتبر أيام قرطاج المسرحية مرآة تعكس واقع المسرح في تونس، وهو ما يفتح باب النقاش حول وضعه اليوم. كيف تصف الوضع الحالي للمسرح التونسي ؟
في الحقيقة، أيام قرطاج المسرحية لا تعكس بالضرورة الواقع المسرحي في تونس بنسبة مئة بالمئة. فهي، مثلها مثل أي تظاهرة كبرى أو احتفال كبير، تُظهر الواجهة المضيئة فقط. أمّا الواقع المسرحي اليومي في تونس، فهو مختلف وأكثر تعقيدًا. نعم، هناك مبادرات فردية مهمّة، وهناك أعمال مسرحية جيّدة ومخرجون يحاولون الاشتغال رغم كلّ الصعوبات. لكن في المقابل، توجد صعوبات كبيرة وعميقة، أهمّها تقصير وزارة الشؤون الثقافية والإدارات المعنية التي لا تقوم بدورها كما يجب، ممّا يكرّس حالة من التهميش المستمر. نحن، للأسف، نعيش في القرن الحادي والعشرين زمنيًا، لكن من حيث القوانين والتنظيم والتعامل مع الفنان، مازلنا نشتغل بعقليات تعود إلى القرن التاسع عشر. ورغم محاولات بعض المخرجين والفنانين—مثل صادق الطرابلسي وغيرهم—الذين حاولوا النهوض بالمشهد ودعمه، إلا أنّ التأثير ظلّ محدودًا. اليوم، لا يكاد يكون للمسرح تأثير فعلي في الواقع العام. يزداد الوضع صعوبة حيث أن هناك صعوبة كبيرة لإنتاج مسرحية، إضافة إلى هجرة الكفاءات المسرحية نحو الخليج وأوروبا بحثًا عن فرص أفضل.
كلّ هذا يجعل الوضع الحالي صعبًا، هشًّا، وخطرا، رغم كثرة الإنتاج المسرحي ومحاولات الصمود المستمرّة. حيث انفتح المسرح على المجتمع، وأصبح الناس اليوم يلتفتون إليه. الأطفال يتابعون المسرح ويتعلمون من خلاله، والكبار يذهبون لحضور العروض ويستفيدون من التجربة، سواء على مستوى الكفاءات أو المعرفة أو تعلم قيم جديدة. المسرح أصبح مساحة تعليمية وتربوية، حيث يتعلّم الناس أن يعبروا عن أنفسهم ويقرأوا النصوص المسرحية بصوت مرتفع، وحتى السياسيون يشاركون في التجربة المسرحية أحيانًا.
بفضل هذا الانفتاح، أصبح المواطن التونسي يدرك قيمة المسرح، ويحرص على متابعته، سواء مع أبنائه أو بمفرده، ويهتم بالمعرفة المسرحية. هذا الوعي ساعد على مواجهة العديد من الصعوبات والمشاكل القديمة.
أيام قرطاج المسرحية لا تعكس بالضرورة الواقع المسرحي في تونس بنسبة مئة بالمئة. فهي، مثلها مثل أي تظاهرة كبرى أو احتفال كبير، تُظهر الواجهة المضيئة فقط
كيف يؤثر غياب أو ضعف القاعات على تطور المسرح في تونس؟
القاعات موجودة نوعًا ما، فلدينا في تونس حوالي 930 فضاءا ثقافيا، لكن أغلبها غير صالحة للعرض المسرحي الفعلي. كثير من هذه المسارح تفتقر إلى البنية التقنية والمعدات الأساسية مثل الصوت، الإضاءة، والديكور، ولا تتوفر فيها الإمكانيات اللازمة لإنتاج عروض محترفة.
كما أنّ هناك إشكاليات قانونية وإدارية، فمثلاً للحصول على تصريح لإقامة عرض مسرحي، يتطلب المرور بإجراءات طويلة مثل شرط ان يكون العرض في التوقيت الإداري. كل هذه العوامل تجعل تطوير المسرح في تونس أمر صعب جدا.
كيف ترى علاقة المسرح التونسي بالجمهور اليوم؟
نحن محظوظون في تونس، لأنه في سنة 1962، جاء الرئيس الحبيب بورقيبة وأكّد على أهمية الثقافة والمسرح. ثم جاء الوزير محمود المسعدي وأدخل المسرح إلى المدارس والمعاهد الثانوية، وفعّل مسابقات مدرسية، فأصبح هناك جيل كامل يقرأ المسرح ويتابع العروض. هذا الانفتاح جعل المسرح أقرب إلى الناس، وخلق علاقة قوية بين المواطن والمسرح التونسي.
إلا أنه اليوم هناك نقص في أساتذة المسرح. أنا شخصيًا شاركت في تجربة مع فرق مسرحية تعمل في الشارع، حيث ذهبنا إلى الجمهور مباشرة بدل الاقتصار على القاعات، وكانت التجربة ناجحة جدًا. لقد لمسنا تفاعل الناس، ووجدنا أنّهم متحمسون لتجربة المسرح، ما يعكس نجاح التجربة في نشر الثقافة المسرحية وتعزيز وعي الجمهور. كما أن هذه التجارب فتحت الباب للتفاعل مع الفنون الأخرى، مثل الدراما والسينما.
نحن، للأسف، نعيش في القرن الحادي والعشرين زمنيًا، لكن من حيث القوانين والتنظيم والتعامل مع الفنان، مازلنا نشتغل بعقليات تعود إلى القرن التاسع عشر
وما هو سبب غياب أساتذة المسرح اليوم؟
السبب يعود إلى أنّ الدولة لا تريد أن تتعامل معنا. لدينا حوالي 360 خريجًا من المعهد العالي للفنون المسرحية لكنهم يعانون من البطالة. هناك أيضًا حوالي 1200 مكتب في نفس المجال، لكن أغلبها فارغ وغير مستغل. الدولة لا تريد ان تنتدب بسبب غياب الموارد المالية. اليوم هناك معاهد تعاني من غياب مدرّسي الرياضيات والعربية فما بالك بالمسرح.
كيف ترى مستقبل المسرح التونسي ؟
هناك تجارب مهمة، لكنها ما زالت في مرحلة التطور. هناك جيل جديد يحاول أن يخفف من الصعوبات في المشهد المسرحي، رغم أنّ الأجيال القديمة والجديدة تواجه تحديات كبيرة. كما هو الحال في أي مجال آخر هناك صراع الأجيال. هناك مبادرات رائعة يقوم بها الشباب، وهم يعملون يوميًا كجنود مسرحيين لنشر المسرح والثقافة والفرح في كل مكان، حتى في المعتمديات والأرياف. الحقيقة أنّنا ما زلنا بحاجة إلى تطوير كبير، ونضال مستمر، خصوصًا في سنّ قوانين واضحة وحقوق للفنانين، وفي إنشاء بيئة قانونية وإدارية داعمة للإبداع المسرحي.
هل ترى أن الجيل الجديد قادر على إحداث تغيير في وضع المسرح التونسي اليوم؟
الحقيقة، المسرح ليس فقط مسؤولية الجيل الجديد وحده، بل هو نتيجة تفاعل بين الفنانين والدولة والإدارة. الجيل الجديد يحاول أن يحقق نتائج ويضغط على الإدارة، لكن الإدارة نفسها مسؤولة عن وضع القوانين وتنظيم المشهد المسرحي. أسوق هنا مثالا : في مجلس النواب هناك العديد من القوانين الذي تهم الثقافة والمسرح قيد النظر. كما يوجد قانون الفنان الذي بقي دون تفعيل منذ عامين. لهذا، دور الفنان والمسرحي كبير جدًا، فهو الذي يحاول دفع المسرح للأمام، مواجهة القيود، وتحريك التحديثات الجديدة في المشهد المسرحي.
*طالبة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار