مثلت الزيارة الرسمية الأولى التي تؤديها المديرة التنفيذية المساعدة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة نيارادزايي غومبونزفاندا إلى تونس محور ندوة صحفية انعقدت، أمس الأربعاء، بالعاصمة تونس.
وشارك في الندوة كل من المدير الإقليمي للهيئة للدول العربية، معز دريد، والممثلة الأممية لتونس وليبيا، فلورانس باستي، إذ قدّم الثلاثي رؤية شاملة حول أدوار المنظمة وأولوياتها وبرامجها في تونس وفي المنطقة ككل.
وتطرقت باستي إلى وجود هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تونس، بمكتب يعمل بشكل مستقل في البلاد منذ سنة 2019، بينما يعود نشاط الهيئة فيها فعليًا إلى سنة 2008 عبر المكتب الإقليمي في المغرب.
وأشارت إلى أن المنظمة تعتمد خطة استراتيجية عالمية تقوم على أربعة محاور رئيسية وهي مكافحة العنف ضد النساء والفتيات، وتعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة والسياسية، وتمكين النساء اقتصاديًا، إضافة إلى محور المرأة والسلام والأمن.
ولفتت إلى أنّ هذه الأولويات تُطبَّق بما يتلاءم مع خصوصيات كل بلد، وأنّ تونس تتميز بسياق متقدم تاريخيًا في ما يتعلق بحقوق النساء، ما يجعل برامج الهيئة فيها ذات توجهات نوعية ودقيقة.
وفي كلمتها، شددت غومبونزفاندا على أنّ زيارتها الأولى لتونس سمحت لها بفهم أعمق لخصوصية هذا البلد وما يمثله من نموذج إقليمي في ما يتعلق بحقوق النساء.
وقالت إنّ الأسس التي تنطلق منها الأمم المتحدة، ولا سيما مبادئ الكرامة الإنسانية والمساواة واحترام الحقوق، ليست غريبة عن الثقافة والهوية الدينية والمجتمعية في المنطقة، بل تنسجم معها.
وأضافت أن التحديات التي تواجهها النساء ليست مرتبطة بالدين أو بالثقافة في حد ذاتها، وإنما هي نتيجة التأويلات الاجتماعية التي تُفرغ القيم الأساسية من مضمونها وتُستخدم أحيانًا بطريقة تقيّد حقوق النساء بدل أن تحميها.
وتطرقت المسؤولة الأممية إلى مكانة تونس في ما يتعلق بالتشريعات المتقدمة الخاصة بحقوق النساء، مؤكدة أنّها كانت دائمًا في طليعة بلدان المنطقة في الاعتراف بالدور المركزي الذي تلعبه النساء في المجتمع، وأنّ هذه المكانة تجسدت في قانون الأحوال الشخصية وفي المسار التراكمي لمكاسب النساء.
غير أنّها لفتت إلى وجود فجوة بين المنجزات التشريعية والواقع التطبيقي، خاصة مع بروز تحديات جديدة تتعلق بالعنف الرقمي والعنف في الفضاء العام، وهي تحديات تقول إنها تستوجب صيغًا مبتكرة للتعامل معها.
وأشارت، في سياق حديثها، إلى أنّ المنظمة تعتمد نظرة شاملة للنساء تشمل جميع الفئات العمرية، مؤكدة أنّ التمييز لا يبدأ عند سنّ معينة ولا ينتهي مع التقدّم في العمر، وأنّ النساء الأكبر سنا، اللواتي يُنظر إليهن أحيانًا على أنهن خارج دائرة الإنتاج، ما زلن قادرات على المساهمة بفعالية في المجتمع وتوجيه الأجيال الأحدث.
وتوقفت عند الجهود الداخلية للهيئة في تهيئة بيئة عمل مرِنة تراعي مسؤوليات النساء والأمهات، معتبرة أن المؤسسات التي لا تتكيف مع احتياجات النساء لا يمكنها أن تدّعي الدفاع عن حقوقهنّ في الخارج.
من جهته، قدّم معز دريد قراءة معمّقة للأرقام المرتبطة بوضع النساء في المنطقة العربية، مبيّنًا المفارقة الكبرى بين ارتفاع نسبة التحصيل العلمي والتخصصات العلمية لدى النساء من جهة، وضعف مشاركتهنّ الاقتصادية من جهة أخرى.
وأوضح أن المنطقة العربية تُسجّل أعلى نسبة عالمية للنساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وأن تونس تأتي في مرتبة متقدمة جدًا في هذا المجال، غير أن نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل ظلت متدنية لثلاثة عقود ولم تتجاوز 26 إلى 27% رغم القدرات العالية التي تمتلكها النساء.
وأضاف أنّ هذا التناقض يحدّ من إمكانيات النمو الاقتصادي، ويدفع إلى التفكير في آليات جديدة لاستثمار مهارات النساء والشابات، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي وبالابتكار.
كما أشارت باستي إلى البرامج الميدانية التي تعمل عليها الهيئة داخل تونس، سواء في المدن أو في المناطق الريفية، من خلال دعم الحرفيات وصاحبات المشاريع الصغيرة، وتوفير بيئات عمل آمنة ومنصفة، وتعزيز مبادرات “المدن الآمنة” التي تشمل تحسين الإنارة والطرقات والمرافق الصحية في الأسواق والفضاءات التي تعتمد عليها النساء لكسب رزقهن.
واستعرضت غومبونزفاندا مثال زيارتها إلى المدينة العتيقة وبرنامج «Adama Women’s Association»، حيث التقت نساء يشتغلن في ظروف صعبة ويحتجن إلى بنى تحتية أساسية مثل المياه والمرافق الصحية، مؤكدة أنّ تحسين هذه التفاصيل الصغيرة يصنع تأثيرًا كبيرًا في الحياة اليومية للنساء.
وفي ما يتعلق بالسياق الإقليمي والأسئلة المتعلقة بالأوضاع الإنسانية، جدّدت المديرة التنفيذية المساعدة التزام الأمم المتحدة بمبادئ الحياد والتركيز على حماية النساء والفتيات في كل سياقات النزاع، بما في ذلك غزة، مشيرة إلى أنّ العنف، أياً كان سياقه، يُفاقم هشاشة النساء ويحدّ من قدرتهن على الوصول إلى الحقوق الأساسية.
كما تطرقت إلى ملف المهاجرات والنساء الموقوفات، مؤكدة ضرورة إدراجهن داخل السياسات العامة وبرامج الحماية.
وأكدت غومبونزفاندا الدور الحيوي الذي يلعبه الإعلام في تغيير الصور النمطية وفي دعم جهود المناصرة، معتبرة أن إعلان بيجين كان واضحًا حين صنّف الإعلام ضمن المجالات الحاسمة التي لا يمكن إحراز تقدّم من دونها. وأكدت أنّ “القصص التي يرويها الصحفيون هي التي تصنع التغيير”، داعية الإعلام التونسي إلى مواصلة أداء دوره كشريك رئيسي في الدفع نحو مجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا.