القاهرة/ يحمل الفيلم البرازيلي “المسار الأزرق” للمخرج جابريل ماسكارو، الذي افتتح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي روحًا تتجاوز المكان وتمتد إلى الإنسان في هشاشته الكبرى أمام أنظمة الحياة الحديثة التي تُقدّس الإنتاج وتُهمّش الذاكرة.
منذ مشاهده الأولى، يعلن الفيلم انحيازه إلى تلك المناطق المنسية من الوجود، حيث يتقاطع الزمن الشخصي مع الزمن الاجتماعي، وحيث يصبح الجسد، خاصة ذلك الذي راكم السنوات في ثناياه، ساحة مواجهة بين الحرية والوصاية، بين الرغبة في الحياة وبين السلطة التي تفرض قيودها.
و”تيريزا” بطلة الفيلم البالغة من العمر 77 عامًا، تبدو صورةً مكثفة لهذا الصراع، فهي امرأة تقف على تخوم العمر، لكن روحها لا تزال تتوق إلى زرقة السماء النهر، وامتداد الأفق، وومض الحلم.
وفي اللحظة التي تتلقى فيها قرارا رسميا بنقلها إلى مستعمرة للمسنين، يتضح أن الحكاية تتجاوز النقلة من مكان إلى آخر إلى الانتقال القسري من الفاعلية إلى السكون، ومن الحياة كتجربة تجربة إلى الحياة حيزا لانتظار الموت.
وعلى إيقاع التحولات النفسية والذهنية ل “تيريزا” يُبدع ماسكارو في بناء فضاء بصري آسر فتنساب الكاميرا ببطء كالماء، وتراقب وهي تتحرك وسط عالم يتقلص شيئا فشيئا ويبدو الضوء وكأنه امتداد لعمرها.
أما الألوان فتخلع عنها بقايا الرمادي المحايد وترتمي في أحضان الأزرق، لترسم رحلة الانسلاخ من الجماعة إلى الذات، ومن الرضوخ إلى المقاومة لتتخطى الزرقة الجمالية البصرية وتعكس حالة روحية ومسارا داخليا نحو استعادة المعنى المسلوب.
في سياق يبدو في البدء سورياليا لكنه لا يلبث أن يكتسي واقعية شديدة ، يصور ماسكارو مدينة صناعية على أطراف الأمازون حيث تخضع الحياة لمنطق إنتاجي صارم، إذ يعمل الشباب والكهول فيما يحال الكهول إلى
“مستعمرات”مغلقة.
لا عنف جلي في المسألة، ولكن ذلك العنف الرمزي الخفي الذي يتسلل عبر البيروقراطية واللغة الرسمية والقرارات الصادرة باسم “المصلحة العامة” أشد وطأة على ذوات ألفت الحرية.
في رصده للتوتر بين الإنسان والسلطة يتقاطع “المسار الأزرق” مع عوالم ألفونسو كوارون إلى كشيشتوف كيشلوفسكي، ويتمايز بلمسته الأمازونية، فالطبيعة ليست زينة ولا خلفية بف شخصية تتنفس وتهمس وتثور وتحتوي.
وعندما تقرر تيريزا الهرب عبر النهر لتحقيق أمنية أخيرة قبل سلب حريتها، يتحول الفيلم إلى رحلة وجودية ويتحول النهر إلى ذاكرة بديلة للمكان، ويرسخ انسيابية الزمن التي لا تعترف بالحواجز.
في هذه الرحلة، لا تبحث البطلة عن خلاص ، بل عبقدر ما تحاول أن تستعيد حقها في الاختيار لتنبثق الحرية من فعل المقاومة، من قرار الإبحار ولو كان المصير مجهولا.
وبين الشاعرية والاقتصاد يقف ماسكارو الذي يخلق إيقاعا تأمليا من خلال الانغماس في العواطف دون إطناب في الكلام ويرحم المشاهد في الحكاية من خلال الكادرات الطويلة ومساحات الصمت التي تستفز الخيال.
وأما الموسيقى، فتحاكي نبضا بعيدا، وكأنها تُذكّر بأن الحياة مستمرة حتى في أكثر لحظاتها وهنا وتتعانق مع أداء دينيز وينبيرج في دور “تيريزا” بالغ الحساسية إذ تمزج فيه بين الضعف والعناد، بين الاستسلام الظاهري والتمرّد الصامت.
هي لا تحتاج كلمات كثيرة لتُعبّر عما بعتمل بداخل إمرأة مكرهة على ترك حريتها، إذ تكفي نظرة واحدة نحو الأفق لتقول كل شيء عن الخوف من النهاية والرغبة في تأجيلها، بالذاكرة، بالرحلة.
في المقابل، يتسم حضور رودريغو سانتورو بالرمزية إذ يبدو امتدادا لجيل عالق في دوامة العمل والتطور، لا يملك وقتا للتأمل والتفكر، ليعكس الهوة بين زمنين: زمن الإنتاج وزمن الحلم.
ومن زاوية النظر، يبدو “المسار الأزرق” استعارة عن العالم المعاصر الذي يُعيد تصنيف البشر وفق قدرتهم على الإنتاج، فالمسنون، في هذا النظام، يصبحون عبئا، كما تُصبح الطبيعة نفسها عبئًا حينما تُترك.
وفي ربطه بين الشيخوخة والطبيعة يشكل ماسكارو خطابا إنسانيا يغدو فيه النهر الرحم الأول، والمنفذ الأخير، فهو بوابة نحو موت محتمل أو ولادة ثانية تفتك فيها “تيريزا” حريتها المسلوبة.
من الناحية التقنية، يعتمد الفيلم على إيقاع بصري بطيء تذوب فيه الحدود بين الواقعي والميتافيزيقي، وتخلق الإضاءة الطبيعية، والظلال الكثيفة، والانتقالات الصوتية المموّهة بين المشاهد، إحساسا بالتحول في ثنايا حلم طويل.
و”المسار الأزرق” فيلم عن العبور في كل أشكاله: عبور الجغرافيا، وعبور الزمن، وعبور الإنسان نحو ذاته وعن مساءلة معنى الوجود في عالمٍ يتغيّر بسرعة وعن معنى الحياة وفق ما تبغيه أرواحنا لا أهواء الآخرين ومصالح السلطة.