وضعت النقابة المستقلة للمخرجين المنتجين قرصنة الأفلام التونسية على طاولة النقاش في ندوة انعقدت بنقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وصّف فيها المهنيون الوضع بالخطير.
واجتمع المخرجون والمنتجون الحاضرون في الندوة على تفاقم أزمة القرصنة وتهديدها للصناعة السينمائية الوطنية خاصة مع تزايد استعمال منصّات IPTV التي تبثّ الأعمال التونسية دون ترخيص وتستحوذ على عائداتها.
سلمى بكّار: “نكتشف كل يوم منصّات جديدة تقرصن أفلامنا… والحلول سياسية بالأساس”
وفي هذا السياق شددت المخرجة والمنتجة سلمى بكّار افتتحت الندوة بالتأكيد على خطورة الوضع، مشيرة إلى أن كل يوم يكشف عن مواقع ومنصّات جديدة تعرض الأفلام التونسية وأحيانا تعيد بثّها بشعار “Artify” أو “ركشة” وهي المنصات التي يتعامل معها المنتجون بشكل قانوني، غير أنّه لا مردود يعود إليهم من هذه القرصنة.
وأوضحت أن القطاع اليوم “في حيرة” وأن المهنيين مقتنعون بأن الحل سياسي بالأساس، لذلك تمت مراسلة وزارات الداخلية والثقافة وتكنولوجيا الاتصال، معتبرة أن المنتجين “وحدهم لا يمكن أن يفعلوا شيئًا” دون تدخل الدولة.
وأكدت أن القرصنة أصبحت مسألة مجتمعية مع انتشار اشتراكات IPTV داخل العائلات، وهي اشتراكات “معقدة وغير مراقبة” تمكّن من مشاهدة الأفلام المقرصنة بسهولة.
الحبيب المستيري: “الاعتداء على حقوق السينمائي جريمة… وتدخل الدولة بات عاجلًا”
من جهته، تحدث المخرج والمنتج الحبيب المستيري عن محدودية التشريعات وحدود تدخل المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، مبيّنًا أن الموارد البشرية والتقنية في المجال غير كافية لمعالجة حجم الإشكال.
ودعا إلى تكاتف مجهودات أربع وزارات: الثقافة، وتكنولوجيا الاتصال، والداخلية والعدل، إلى جانب دور الإعلام والمجال التربوي في التثقيف بحقوق الملكية.
وشدد على أن الاعتداء على حقوق السينمائي “جريمة يعاقب عليها القانون”، مطالبًا بتدخل آني وعاجل لمواجهة توسّع المنصّات المقرصِنة.
مهدي النجار: “الملكية الأدبية والفنية ليست مسألة فردية… وانعكاساتها اقتصادية ووطنية”
أما ممثل المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، مهدي النجار، فقد اعتبر أن المسألة تعد امتدادا لنضالات أهل المهنة، مشيرًا إلى أن الحاجة إلى التغيير “نابعة من المنتجين والمخرجين أنفسهم” وأن المؤسسة تساند كل التحركات القانونية الممكنة.
وأكد أن حماية الملكية الفكرية ليست شأنًا فرديًا بل لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية، إذ تساهم في خلق فرص عمل وفي توفير مناخ استثمار مستدام.
وكشف أنّ المؤسسة تعمل على خطة تقوم على التوعية والتكوين وتشريك الإعلام والقضاة والمحامين وعدول الإشهاد، بالإضافة إلى برنامج “نوادي الإبداع” داخل دور الثقافة لتوعية الناشئة بخطورة القرصنة.
كما اعتبر أن عددًا من المنتجين يبرمون اليوم عقود “إذعان” لا تحمي حقوق المتدخلين، داعيًا إلى تحديد الأولويات وفهم حدود تدخل كل جهة وتأمين الأرشيف وتطوير الإجراءات التقنية للحماية.
منيرة منيف: “غياب العقود النموذجية يُضعف حماية الأعمال الممولة من المال العمومي”
بدورها، شددت منيرة منيف، المديرة العامة المكلفة بالفنون الركحية والسمعية البصرية بوزارة الشؤون الثقافية، على أن غياب عقود إنتاج واضحة يُفقد أصحاب الحقوق قوتهم التعاقدية ويضعف قدرة الدولة على حماية الأعمال التي موّلتها.
وأشارت إلى الحاجة إلى منظومة رقمية توقّع مسار الفيلم من الإنتاج إلى التوزيع فالبث التلفزي، مؤكدة أن المنصّات المقرصنة حوّلت الاستغلال التجاري للأعمال إلى استغلال مجاني يضرب “اقتصاد الشاشة” ويُضعف منظومة التذاكر.
حمادي الغيداوي: “ التلفزة تواجه قرصنة يومية ووضعنا دليلًا للسلامة الرقمية”
وفي المقابل أكد المسؤول عن المحتوى الرقمي بمؤسسة التلفزة التونسية حمادي الغيداوي أن المؤسسة تواجه قرصنة يومية عند تنزيل محتوياتها وأن عددًا من أعمالها تبثّ على بعض المنصات قبل موعد بثّها الرسمي.
وأشار إلى أن التلفزة وضعت “دليل إجراءات” للنشر الآمن، وأن الرقابة على السرقات الرقمية تتطلب جهودًا تقنية كبرى.
آية جماعي (Artify): “مليون عائلة تونسية تستهلك IPTV… والاشتراك بـ100 دينار”
من جهتها كشفت آية جماعي، مديرة المحتوى في منصة Artify، أن المنصة تواجه موجة قرصنة واسعة، مبينة أن ما يقارب مليون عائلة تونسية تستهلك محتوى IPTV مقابل اشتراكات تبلغ حوالي 100 دينار، وهو ما يجعل القطاع في مواجهة مباشرة مع اقتصاد موازٍ متضخم يسرق الأعمال دون حسيب.
نزار السويسي: “نحتاج إلى تقنيات حماية محلية… وصناعة وسائطنا وأدواتنا”
أما الموزع والمنتج نزار السويسي، فاعتبر أن حماية الأفلام تمر عبر تطوير الوسائل التقنية المحلية، مؤكدا أن الشباب والمهندسين التونسيين قادرون على خلق حلول رقمية ناجعة.
ودعا إلى إنشاء “مخبر الأثر الرقمي” لكل فيلم، واعتماد محامل آمنة وعدم الاكتفاء بملفّات MP4 التي ترسل حتى في أيام قرطاج السينمائية، مقترحًا أن تتبنى الدولة اشتراكات سنوية لحماية الأفلام الوطنية.
الأسعد قوبنطيني : ملاحقة الجهات المقرصِنة مسألة تقنية وقانونية معقدة
أما المنتج والموزع الأسعد قوبنطيني، فقد أكد أم ملاحقة الجهات المقرصِنة مسألة تقنية وقانونية معقدة على اعتبار أنها تعتمد خوادم خارجية في دول مختلفة.
كما تحدث عن تعرض فيلمي “صاحبك راجل” و”بوليس” إلى القرصنة والاستعانة بشركة من دبي لتتبع المقرصنين والنجاح في ثطع البث عنها، مشيرا إلى أن مجمع القوبنطيني بات يعتمد على حلول استباقية لتفادي القرصنة
وفي سياق متصل، دعا الدولة إلى توفير دعم لوجستي وقانوني للمنتجين كي يتمكنوا من توثيق الاعتداءات ومتابعة المخالفين قضائيا.
مداخلات أخرى عن آفة القرصنة
من جهتها تطرقت المخرجة خديجة مكشر إلى مسألة انخراط السينمائيين في المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وعلى غياب وسائل الرقابة على اشتراكات المنصات، بالإضافة إلى تعمد بعض المنصات اقتطاع مقتطفات من الأفلام وإخراجها من سياقها مما يسيء إلى السينما التونسية.
وأما المنتج رضا سلامة فقد أكد غياب التشريعات الواضحة المنظِّمة للمسار الرقمي، وتعقيدات عملية القرصنة، فيما تطرق المنتج مصلح كريم لعدم تكون القضاة في حقوق المؤلف وتقاذف القضايا المتعلقة بها بين أروقة القضاء.
كما اعتبر كريِّم أن منظومة حقوق المؤلف غير مستقرة انطلاقا من وزارة الشؤون الثقافية مرورا بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة وصولا إلى وزارة العدل.
ومن جهته نبه المخرج أنيس بلهيبة من أن مواجهة غول سرقة الأفلام لن يلقى تعاطفا على المستوى المجتمعي والفردي لتمثلات القرصان في مخيال المستهلك.
كما أكد بلهيبة ضرورة الرهان على الدولة والتشريعات والمؤسسات لمحاربة هذه الظاهرة التي ما انفكت تتفاقم.
عن اليوم الدراسي حول حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في القطاع السينمائي
يشار إلى أن الإدارة العامة للفنون الرّكحية والفنون السمعية البصرية قد نظمت بالشّراكة مع المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة والمركز الوطني للسينما والصورة، يوما دراسيا حول حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في القطاع السينمائي، الأربعاء 25 جوان 2025 بقاعة عمر الخليفي في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي.
وشارك في تأثيث هذا اليوم الدّراسي النقابة المستقلة للمخرجين المنتجين، بحضور ممثّلين عن الادارة العامة للتشريع الجبائي بوزارة المالية وعن التلفزة التونسية ووزارة تكنولوجيا الاتصال فضلا عن منتجين ومخرجين وخبراء ومبرمجين وفنانين وفنيين.
استهل هذا اللقاء بطرح مختلف المبادئ الأساسية في مجال الملكية الأدبية والفنية حيث تم التعرض لجملة من المحاور التي طالت مفهوم المؤلف ( صاحب العمل الأصلي) وشروط الانخراط في المؤسسة التونسية وأهم المواثيق التي صادقت عليها تونس من بينها إتفاقية بارن لحماية المصنفات الأدبية والفنية المؤرخة في 09 سبتمبر 1886 والإتفاقية العالمية لحق المؤلف (أو إتفاقية اليونسكو) لسنة 1952 والقانون عدد 36 لسنة في 24 فيفري 1994المنقح والمتمم بالقانون عدد 33 لسنة 2009 المؤرخ في 23 جوان 2009
كما تم في المحور الثاني التطرق لرهانات انتاج واستغلال المصنف السمعي البصري والسينمائي من خلال مسألة عقود الإنتاج التي تتقاطع فيها الجوانب الفنية والاقتصادية والقانونية ودور المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة التي لديها منظومة التصرف الجماعي ومن مهامها تحصيل الايرادات المادية للأثر الفني عند عرضها في القاعات أو على منصات العرض واستخلاص وتوزيع المستحقات وذلك بطلب من الفنان المنخرط بالمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة فضلا عن تناول مسألة التشريع الجبائي وصندوق دعم التغطية الاجتماعية للفنان الذي تأتي مُقدراته من معلوم يوظف على التذاكر المقتناة خلال كل الفعاليات الثقافية.
وبالنسبة لاستغلال المصنفات السمعية البصرية والسينمائية على الشاشات وعبر القاعات فقد تم عرض تفاصيل عن علاقة الموزّع بالمنتج وقاعات السينما ومنصات العرض على غرار يوتوب وiptv وهياكل البث في التلفزات العمومية والخاصة، كما تم التطرق للاستغلال غير المشروع والمتمثل أساسا في عمليات القرصنة والاقتباس والتلاعب بمحتوى الأثر الفني دون ترخيص مسبق من صاحب العمل الأصلي.
وفي اللقاء الحواري الثالث تم التعرض لنماذج العقود في المجال السمعي البصري والسينمائي وعرض مقارن لمختلف نماذج العقود الاجنبية (فرنسا وبريطانيا وكندا) ومسألة إحالة الحقوق في المجال السمعي البصري التي تعني استخدام المواد السمعية والبصرية من شخص أو جهة إلى أخرى وبيع أو نقل الحقوق في البرامج التلفزيونية و الإذاعية أو السينمائية.
واختتم هذا اليوم الدراسي بجملة من التوصيات من بينها مواصلة العمل على هذه المبادرة لتشمل باقي القطاعات الفنية وتنظيم ورشات متخصصة لصياغة عقود العمل للمصنفات السمعية البصرية والسينمائية وإحداث آلية لتسجيل العقود إلى جانب دعوة عموم الفنانين للانخراط في المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة وبحث سبل التعامل مع الذكاء الاصطناعي وضرورة صياغة نصوص ترتيبية للمساهمة في التغطية الاجتماعية للفنان.