في كنيسة القلب المقدس في باب الخضراء ارتسمت ملامح عمل مسرحي مفعم بالشاعرية والجمالية والنقد غير المباشر، عمل ينطلق من تجربة شخصية ذاتية لينفتح على الجمعي الموضوعي.
“بشر” خلق فني لجليلة بكار، إخراج وسينوغرافيا آسيا الجعايبي، تتناثر فيه أسئلة عن الإنسان وعن الذاكرة وعن الوطن والإنسان وتتشابك على إيقاع مسارات حياة الشخصية الرئيسية التي تروي قصصها وتمر في كل مرة عبر قضية راهنة.
لغة بسيطة وسلسة تلفظها شفتي جليلة بكار التي تلعب دور الراوية والشخصية في الآن ذاته فتحاكي الألحان لفرط نظمها وتشرّع أبواب الذاكرة على قضايا حارقة ما انفكت تغازل البوصلة لتتجه نحوها.
انطلاقا من خطب ما يطال الذاكرة تنبش الشخصية الرئيسية في خاناتها لتعري علل الإنسانية والأوطان وتبوح بما يختلج صدرها مراوحة بين المواقف الدرامية والمواقف الكوميدية التي تحمل في طياتها الكثير من النقد والرفض.
وقبل الخوض في القضايا التي يناقشها هذا العمل الفني الذي يعرض ضمن مهرجان دريم سيتي ، يتخذ الحديث عن مكان العرض بعدا حتميا فاختيار الكنيسة ليس اعتباطيا وإنما مرتبط ارتباطا وثبقا بسيرورة الأحداث ناهيك عما يحمله من رمزيات ودلالات.
المسرح يتطلب خشوعا وداخل الكنيسة هالة منه تجعلك مشدودا إلى تعابير وتعبيرات الفنانة جليلة بكار وهي تشق الجمهور الجالس يمنة ويسرة في ممر لا يعدو طوله خطوات ولكنه يمتد إلى مانهاية على إيقاع حكيها.
بين الراوية والشخصية تتنقل الممثلة المتلونة في حركاتها وقسمات وجهها بكل سلاسة ومرونة حتى تخالها شخصان منفصلين عن بعضهما لكل منهما كيانه وكينونته لتبدو صادقة في أدائها دون مبالغة أو تكلف.
وفي الممر الضيق القصير الذي يتسع ويطول على نسق تهاطل الأسماء التي تستحضرها ذاكرة إمرأة رأت وجوها كثيرة للحياة وتواتر الأحداث التي تتقاطع جميعها على أعتاب رحلة البحث عن الذات، عن الوطن، عن الإنسانية..
معان كثيرة تتشكل على إيقاع خطوات جليلة بكار وهي تعبر الممر الذي يشبه برزخا بين الماضي والحاضر وبين الواقع والمتخيل، برزخ يؤوي كل الهواجس التي تراكمت على جدران الأرواح والقلوب أمام تغلغل السوس في جسد الإنسانية.
أكثر من جرح مفتوح رشت عليه الملح جيئة وذهابا بين الشخصية والراوية، وبين حالتين مختلفتين للشخصية التي تسائل ذاكرتها وذاكرة الوطن وذاكرة الإنسانية وهي تحاول أن تقطع الطريق على ذلك الخطب الذي سيطالع الجالسين قبالة جليلة بكار وهي تقدم درسا في التمثيل على خشبة مختلفة وفريدة …
قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وإنسانية جالت بينها كما تجول الفراشات بين الزهور تاركة في كل مرة أثرا تنهمر معه الأسئلة وكلما حاولت أن تجد إجابة تغرق بسيلها ويستأثر صدى أحدها برأسك “متى ينتهي الاحتلال في فلسطين؟”…
على الإيقاع هذا السؤال تستحضر هيئات كثيرة للاحتلال سواء على الصعيد الذاتي أو الموضوعي وتلاحق سردية جليلة بكار للقضايا وتتأمل القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا من زاوية نظرها وتنتصب في رأسك جلسة مساءلة لكل ما حولك ..
إلى جانب الأداء اللافت للفنانة جليلة بكار، تستمر المخرجة آسيا الجعايبي في رسم أسلوب إخراجي مختلف مزجت فيه هذه المرة بين عناصر بصرية من خلال توظيف تقنيات سينمائية إذ تعزز العمل المسرحي بصور ترتسم على الشاشة لتراود هي الأخرى ذاكرة المشاهد.
والعناصر السينوغرافية على بساطتها وقلتها إلا أنها مفصلية في الانتقال من حدث إلى آخر بل إنها أحيانا تكون محددة لصعود نسق الانفعالات أو نزوله في توظيف يتواءم مع حركة الضوء وحدته وخفوته ومع الموسيقى التي ترسخ الحالة النفسية والذهنية التي تقحم فيها الممثلة جليلة بكار المشاهد.
وفي “بشر” تظافرت كل العناصر لتجعل منه عملا لافتا استيتيقيا نصا وأداء وإخراجا وفكرة وموضوعا، عملا ينتهي ولا تنتهي من التفكير فيه وفي تفصيله وفي تلك الخيوط الشفافة التي تربط بين تفاصيله ولا يمكن رؤيتها إلا بعيون القلب والذاكرة.