شكل عرض “من قاع الخابية” للموسيقار محمد القرفي، مساحة للانغماس في الذاكرة الفنية التونسية، لا من منطق الحنين فحسب، بل بمنطق الاحتفاء بموروث يمثل جزءا من هوية تونس.
وفي سياق التصور الفني الذي يراوح بين الموسيقى والغناء والرقص والفن التشكيلي والمسرح تأتي مشاركة الممثل جمال المداني الذي استحضر في مروره الفنان صالح الخميسي والكاتب علي الدوعاجي على ركح قرطاج الأثري.
بحضوره اللافت طبع الفنان جمال المداني العرض بمسحة مسرحية انطلقت منذ صدحت كلماته على الركح مؤذنا بانطلاق السفر في الذاكرة الموسيقية فيما حمل أرواح فنانين تركوا إرثا فنيا لا يخضع للنسيان،
المداني برز عنصر قوة في العرض وكان حلقة وصل بين الفصول وصوت الذاكرة حينما تسكت الموسيقى وهو لم يكتف بتقديم العرض بأسلوب مسرحي ساخر وناقد بل دغدغ الذاكرة وشرع أبواب التأويل.
إطلالات المداني كانت نابضة بحيوية الخشبة تحمل في طياتها سنين من الالتحام بأركاح مختلفة والانغماس في نصوص متعددة، حيوية تجلت في رصانة الحضور واتزان الصوت وملاعبة الطبقات والانفعالات لخلق التفاعل.
في أعلى الركح ظهر المداني وهو يروي بعضا من تاريخ تونس على طريقته وشد إليه الأنظار وهو يلقي كلمات الكاتب علي الدوعاجي “الكانزة الكل وأنا نكالي” ليتسلل طيفه بين حروف الكلمات العامية التي يجيد نظمها.
وفي أغنية “عمري ما سكرت” لصالح الخميسي التحق المداني بعازفي الاوركسترا حيث مسْرَحَ الأغنية أداء وصوتا وزيا واستحضر هواجس ومآسي جيل همشته الحياة زمن الاستعمار.
ولم يستعد المداني كلمات الدوعاحي والخميسي فحسب وإنما قدم تأويلا مسرحيا لنصوص عتيقة بروح حرة لا تخشى التهكم على الواقع.
الجمهور، وإن لم يكن غفيرا، كان شريكا حقيقيا مع كل ظهور للمداني، تفاعلا وضحكا وزغاريد وتجاوبا مع كل لفتة أو جملة، حينما تحولت الذاكرة إلى مشهد حي.
متسلحا بأدوات المسرحي، وظّف صوته، وتعابير وجهه، وحركات جسده وحتى الصمت، ليمنح كل مرور بعدا دراميا خاصا وتنقل بسلاسة من النكتة إلى الإحساس، ومن الغمز السياسي إلى الحنين الشعبي.
صالح الخميسي، في زمنه، كان صاحب حضور طاغٍ على الركح، يمزج بين الغناء والتعليق، بين النكتة والموقف، لكن جمال مداني لا يقلده، بل يستلهم روحه، هو لا يغني كما كان يغني الخميسي، بل يستحضره بوعي معاصر، وبلغة مسرحية مفتوحة على التأويل.
اثنان من أبرز رموز السخرية في تونس: علي الدوعاجي وصالح الخميسي تجليا على الركح في حضور جمال المداني الذي تقاطع معهما في حب الحياة، في الانحياز للمهمّش، وفي الاحتفاء بالتفاصيل اليومية التي قد تبدو للبعض تافهة، لكنها تختزل عوالم كاملة.
صوت المداني ليس صوت مغنٍ محترف، بل صوت ممثل اختزنت الخشبات والشاشات حضوره، راو، وصاحب موقف، يتغيّر مزاجه بين مقطع وآخر، وتتلوّن ملامحه بتغيّر الإيقاع، فيدمج بين الإلقاء المسرحي والغناء الساخر، ضمن أسلوب خاص لا يشبه إلاه.