جدّة/ في فيلم “يونان” للمخرج أمير فخر الدين، يذهب الممثل جورج خباز نحو منطقة تمثيل قائمة على الصمت، وعلى لغة الجسد لا على الحوار ويستنطق كل تعبيراته الصامتة ليقص سير الهجرة والشتات والاغتراب.
وفي حديثه عن شخصية “منير” التي يتقمصها في الفيلم والتي تعكس تمكنا من أدوات الأداء في وجوهها الأكثر تعقيدا وهو الأداء غير اللفظي، استشهد بتاركوفسكي بقوله إن السينما صورة وعندما تعجز الصورة عن التعبير يبدأ الكلام
وفي سياق متصل، اعتبر أن فيلم يونان هو لغة صورة ولوحة زيتية متحركة ونابضة وقصيدة طويلة تعتمد على لغة الصمت والطبيعة والصراع الداخلي، مؤكدا أن هذا ما اغراه لأداء الدور.
وأضاف ” في هذا العمر ومع النضج الذي راكمته وكل الأسئلة الوجودية التي أعايشها، دور “منير” مساحة للتعبير عنها باللغة الأجمل، لغة السينما، مشيرا إلى أن المخرج اختاره بعد أن شاهد أداه في “أصحاب ولا أعز” الذي يقوم على ردات الفعل وعلى الصمت ولغة العيون.
وعن تمكنه من حمل الشخصية بكل صمتها على عاتقه، قال الممثل اللبناني إن الغربة والهجرة والشتات والوحدة تعلم الصمت، ومن هذا المنطلق دخلت إلى عالم منير الصامت المليء بالضجيج الداخلي والأسئلة.
وعن تطابق هذه الشخصية مع ما يحمله من هواجس وتمثلات عن الواقع والحياة على عكس ما قد يتبادر إلى الذهن عن تنافرها مع أدواره السابقة التي تدور في فلك الكوميدي والاجتماعي، قال إن الكوميديا السوداء التي يقدمها في أصلها تراجيديا ولكن مقاربتها كوميدية، مشيرا إلى القلائل بمسيرته انتبهوا إلى انعكاس الحالة الدرامية داخله وبأقصى الأحوال “الميلانكوليا”.
وأضاف ” اللبناني تحديدا، والعربي بشكل عام، يحمل دمعة في عينيه دمعة وبسمة على فمه، ذلك أنه تواق للفرح والحياة وإرادة العيش عنده فوق كل اعتبار لكن الظروف غير ملائمة من كل النواحي، وهذا التناقض الداخلي والخارجي عند الشخصية اللبنانية لأكون أمينا بنقلها بالكوميديا السوداء التي لا تخلو من قاعدة درامية وتراجيدية وتحمل أسئلة عميقة قد تظل بلا أجوبة.
وأكد أن الفضل في بلوغه عمق الشخصية يعود للمخرج أمير فخر الدين الذي جلس معه كثيرا وتناقش حول تفاصيل الفيلم وطالب منه أن يفهمه قبل أن يفهم الفيلم على اعتبار أنه رأى في السيناريو انعكاسا لشخصيته وروحه بشكل أو بآخر.
وأشار إلى أنه شاهد كل مقابلاته الإذاعية والتلفزيونية وفيلم الغريب وافلامه القصيرة وجرب أن يقترب من روحه، مشيرا إلى أن شخصيته الهادئة بلا تعبيرات لافتة في الخارج رغم أنه مرهف الحس ويغلي من الداخل ألهمته ليبعث الروح في الشخصية.
وعن لقائه بالممثلة الألمانية هانا شيغولا في الفيلم وعن “الكيمياء الصامتة” بينهما، قال لما أخبرني المخرج أنها تشارك في الفيلم صُعقت (بالمعنى الإيجابي) لما تحمله من تاريخ سينمائي عظيم والتقيتها بفرح طفل صغير وكثير من الرهبة وهذا الصراع أفادني كثيرا في الوقوف في مواجهتها، وفي أول مشهد بيننا تجلت هذه الكيمياء.
وأضاف ” الرهبة من الوقوف أمامها ساعدتني ومن ثم اكتشفت احترافها وطباعها كإنسانة وتواضعها وقدراتها العظيمة في نقل شخصية “فاليسكا” بشكل طبيعي واحتضان شخصية “منير”، مشيرا إلى أنها في الواقع تفكر مثل فالسكا ولا فرق بين الشخص والشخصية فهي منفتحة وحاضنة ومفعمة بإنسان تتخطى الحدود والاختلافات.
وعن خلفيته المسرحية التي كانت حاضرة في الفيلم وعمقت أداءه في بعض المشاهد، قال إن أدوات المسرح موجودة في الأداء في مواضع كثيرة من بينهم مشهد مصارعة ورقص.