جدّة/ في جلسة حوارية ضمن فعاليّات الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، حملت عنوان “نساء تُبهرنا… كيف تُروى القصص ولماذا؟”، تحدثت النجمة الفرنسية جولييت بينوش عن انتقالها من مساحة الأداء أمام الكاميرا إلى موقع الإخراج خلفها، من خلال فيلمها الوثائقي “In-I in Motion” الذي يعرض تعاونًا فنيًا ممتدًا بينها وبين الراقص ومصمّم الرقصات البريطاني أكرام خان.
ومنذ اللحظة الأولى، لم تُخفِ بينوش صعوبة التجربة، فالإخراج بالنسبة إليها ليس قرارا تقنيا بقدر ما هو مغامرة وجودية، خاصة حين تكون جزءًا من العمل تمثيلا وإنتاجا وبناءً بصريا.
وفي هذا السياق قالت إن “الممثل لا يستطيع أن يفصل نفسه عن الإخراج. العالمان متداخلان بشكل طبيعي”، مضيفة أنّ أداءها في الفيلم لم يكن خاضعًا لتوجيه ذاتي مباشر، بقدر ما كان “محاولة لمرور الحقيقة عبر الجسد”.
“الحقيقة في الصورة” مسألة بدت مفصلية في خطاب بينوش، فهي ترى أنّ لحظة نسيان المُشاهد بأنّ ما يراه مجرّد صورة مصنوعة، هي جوهر التجربة السينمائية، قائلو “الحقيقة تنتمي إلى الإنسان. عندما تدخل الصورة في داخلك وتنسى أنها مصنوعة، عندها فقط تبدأ السينما”.
توقّفت بينوش، أيضا، عند الدروس التي حملتها معها من تجاربها السابقة أمام الكاميرا، والتي ساهمت في صياغة رؤيتها الإخراجية، وهي تعترف بأنّ المونتاج كان المحطة الأصعب، إذ اضطرت إلى بناء سرد بصري يقدّم قربا شديدا من عملية الإبداع نفسها، ويكشف عن العلاقة الدقيقة بين الحركة والفكرة، وبين الجسد وما يحمله من تاريخ وآثار وتجارب.
وفي هذا السياق تقول: “قمت بعمل مونتاج لنفسي ولأعمالي سابقًا، وهذا ما يُبنى عليه التمثيل الجيد، تعلّمت أين يجب أن يكون القطع، وكيف تتطوّر الحكاية”.
أما عن تصوير الفيلم، فقد سلطت الضوء على رغبتها في الحفاظ على الطبيعة والواقعية في الإضاءة، وعلى أن يشعر المشاهد وكأنه يطلّ على التمارين عبر “فتحة صغيرة في الجدار”.
تعاون بينوش مع أكرام خان لم يكن جديدًا، بل يعود لأكثر من 15 عامًا من الشراكة الفنية. وخلال عرض قديم نظّماه قبل عامين، تبادر إلى ذهن بينوش أنّ هذا الجهد الحركي والذهني يستحق أن يتحوّل إلى فيلم. ومن هنا وُلد “In-I in Motion”، الذي تصفه بأنه فيلم ذو طبقتين: الأولى عن الجهد والإبداع من الداخل، والثانية عن معنى الإبداع نفسه.
وتكشف بينوش أنّ مهمة الإخراج كانت، أيضا، مرتبطة باختيار ما سيراه الجمهور وما يجب أن يبقى خلف الكواليس، مضيفة: “كان عليّ أن أختار الإضاءة الجيدة، وأن أقدّم تجربة مختلفة للمشاهدين”.
الفيلم الذي صورته ماريون ستالينس، شقيقة جولييت بينوش، جاء كعمل يتماس مع الرقص والفلسفة والصورة في آن، إذ يلتقط لحظات التمرين بكل توتّراتها، ويغوص في الأسئلة الكامنة خلف الحركة، ويمنح العين منفذًا نادرًا لرؤية بعض من تفاصيل العملية الإبداعية.