لا يمكن بأي حال التعاطي مع اندلاع النيران في السفينة “فاميلي”، وهي الأكبر ضمن أسطول الصمود المتّجه نحو غزة لكسر الحصار عنها، على اعتبار أنه حادث عرضيا في ميناء سيدي بوسعيد.
منذ الإعلان الأولي عن نشوب الحريق في السفينة تداخلت الروايات وتشابكت المعطيات وتحول الأمر إلى حدث سياسي وإعلامي يعكس هشاشة الواقع على وقع القراءات المتناقضة.
من الزاوية الرسمية التونسية، جاء النفي قاطعا، إذ أكدت الإدارة العامة للحرس الوطني في بلاغ أن الحديث عن استهداف بمسيرة لا أساس له من الصحة وأعقبتها الداخلية بتوضيح ثان مقتضب.
رواية السلطة وإن بدت للبعض غير منطقية، خاصة أمام تداول فيديوهات توثق سقوط جسم خارجي في السفينة وتأكيد طاقمها الاستهداف فإنها تعكس محاولة للتعاطي الحريص مع مسألة شديدة الحساسية.
فأي إقرار بوجود استهداف سيكون بمثابة إعلان غير مباشر عن خرق سيادة تونس وربما انزلاق إلى مربّع سياسي ودبلوماسي معقّد، ولكن التأكيد على مواصلة التحقيقات قد يحمل في طياته معطيات أخرى.
وفي الجهة المقابلة، تظهر رواية هيئة أسطول الصمود لكسر الحصار عن غزة على النقيض تماما إذ أكد أعضاؤها من التونسيين والأجانب استهدافا متعمدا وحملوا الكيان الصهيوني المسؤولية المباشرة.
وهذه الرواية مدعومة بمقاطع مصوّرة من زوايا مختلفة، تحيل إلى استهداف إثر سقوط جسم مشتعل من خارج السفينة أدى إلى اندلاع النار فيها.
ووسط حالة الاستنفار التي استوجبته الحادثة يؤكد أسطول الصمود المضي قدما نحو سواحل غزة رغم كل محاولات الترهيب والتخويف ويواصل التعبئة والحشد من أجل إعلاء الحق الفلسطيني.
وأما الصحافة فتقف على شفا مشهد ملتبس بين فيديوهات توثّق اشتعال السفينة بجسم خارجي، وبيانات رسمية تنفي الاستهداف الخارجي، وتصريحات حقوقية تتّهم الكيان الصهيوني مباشرة.
حالة من الضبابية المركبة والمعقدة أفضت إلى موجة من التفسيرات المتباينة على شبكات التواصل الاجتماعي، بين من يرى أنّها حادثة عرضية ومن يذهب إلى أنّها عملية استهداف صريحة تُضاف إلى سجل طويل من محاولات الصهاينة عرقلة مبادرات كسر الحصار.
والقراءة الأوسع للحادثة تكشف عن صراع سردي بحت ؛ من يملك حق صياغة الرواية؟ الدولة بمؤسساتها التي تسعى، دائما، إلى ضبط الإيقاع الداخلي وتجنّب التصعيد، أم الحركات التضامنية التي تبرز ، دوما، غطرسة الموقف الإسرائيلي في مواجهة المبادرات المساندة لفلسطين.
في خضم التناقض بين الروايات يبقى السؤال الأهم ؛ ما مدى تأثير هذه الحادثة في أسطول الصمود العالمي؟ ليأتي الجواب واضحا وثابتا من خطابات المنظمين والمشاركين ألا تراجع عن المسار نحو غزة.
وفي الأخير ، تبقى المواجهة مفتوحة بين إرادة إنسانية تسعى إلى كسر جدار الحصار، وبين منظومة احتلال توظّف أدواتها العسكرية والسياسية وحتى الدعائية لإبقاء غزة محاصرة
وبين النفي الرسمي والحديث عن استهداف صهيوني، يظلّ المشهد منفتحا على كلّ الاحتمالات، لكنّ المؤكّد أنّ حادثة “فاميلي” أضافت بعدا آخر إلى سردية الصمود، وجعلت الأسطول أكثر حضورا في الوعي العالمي، حتى قبل أن يرفع أشرعته باتجاه سواحل غزة.