الجونة/مصر_بين ضحكات طفلة تلهو، وصراخ رجل يطلب الصفح يقف فيلم “حادث بسيط” للمخرج الإيراني جعفر بناهي ليُقيم لمجتمعه محاكمة رمزية تتخفّى خلف حادث عرضي، ويصوغ من واقعة دهس كلبٍ شارد تأمّلا فلسفيا في الذنب والانتقام، وفي الذاكرة التي لا تُشفى من الألم.
في الطريق الممتد بين البداية والنهاية، يحوك بناهي فيلمه الذي عرض ضمن الاختيارات الرسمية خارج المسابقة بمهرجان الجونة السينمائي نسيجا بصريا رقيقا ومؤلما، يضع فيه الإنسان في مواجهة ذاته، والمجتمع في مواجهة جراحه التي لم تلتئم، والسينما في مواجهة الصمت المفروض عليها.
منذ المشهد الأول، يظهر إتقان بناهي الإيحاء من خلال توزيع المشاعر والانفعالات بين طفلة صغيرة تلعب في المقعد الخلفي من سيارة والدَيها، وأب يقود بصرامة رجل اعتاد كتمان ما يعتمل بداخله، وأم تحاول حفظ التوازن بين الصرامة والعطف.
على الطريق، يدهس الأب كلبا شاردا وتنكسر الطفل فجأة ويغشاها خوف لا يفهمه الكبار، وتغدو نظراتها لأبيها مسكونة بالاتهام والتذنيب فيما تحاول الأم أن ترسخ في ذهنها أن الأمر لا يعدو أن يكون “حادثا بسيطا”.
“لم يقصده… إنه مجرد حادث بسيط”، جملة الأم التي جعل منها بناهي مفصل الفيلم بأكمله، ذلك أن المسألة أشد تعقيدا فهي بوابة نحو محاكمة رمزية لمجتمع بأسره، يبرّر قسوته اليومية كما يبرّر الأب فعلته العرضية.
في كل تفصيل، يذكّرنا بناهي بأن ما يبدو بسيطا في ظاهر الحياة، قد يخفي تحت جلده شبكة معقّدة من الذنوب القديمة والذاكرة السياسية المثقلة بالقمع والخوف.
ورغم الحضور الوجيز للطفلة، تبدو المرآة التي يعكس عليها بناهي ماضيه وبلاده معا، إنها امتداد لبطلة “البالون الأبيض”، الطفلة التي كانت تبحث عن قطعة نقدية لشراء سمكة، بينما في العمق كانت تبحث عن معنى الحرية.
والطفلة الجديدة ترى في الحادث مدعاة للحداد والكلب المدهوس كائنا يستحق الرثاء، بينما الأب يختزل المسألة في سبب استوجب التأخر في الطريق وبينهما أم تحاول تخفيف الموقف بكلماتها.
بين الوجدان الطفولي والعقل المبرر، والنقاء الأصلي والمنطق الذي يحاول جعل القسوة طبيعية يصنع بناهي تصادما فيما تبدأ التراجيديا بالتشكل في ورشة إصلاح سيارات حيث يعيد وقع خطوات الأب على الأرض فتح ذاكرة صاحب المكان “وحيد”.
على وقع صوت الخطوات الذي يتغلغل في المكان تتشكل مواجهة غير مؤكدة بين ضحية التعذيب وجلاده (إقبال)الذي استحضره من مشيته المميزة ليتولد تباعا زلزال مدو ينشأ من التصادم بين الحاجة إلى القصاص والرغبة في الغفران.
دراما إنسانية مؤلمة ينسجها بناهي وهي لا تعتمد على الصراخ أو المونتاج المتسارع، بل على التوتر الصامت الذي يتراكم مثل لهبٍ خفيّ تحت الرماد ويشكل مساحة للتأمل تتفتح فيها الجروح وتفيض الأسئلة.
قبل أن يتحول شك الضحية في أنها تواجه جلادها إلى يقين، ساد الحدس الأحداث وخطف “وحيد” خصمه المفترض وألقى به في سيارة بيضاء وجاب به الشوارع بحثا عن الحقيقة وتحول السيارة إلى شخصية تشارك الضحايا في رحلة بحثهم عن النجاة من أثقال الماضي.
داخل السيارة، تتكدّس الشخصيات وآراؤها المتضاربة حول العدالة، وكلٌّ منها يحمل جرحه ونسخته الخاصة من الحقيقة وخارج نوافذها تمتد المدينة كجسد ضخم بلا ملامح، والشارع يمرّ كذاكرة لا تنتهي.
في “حادث بسيط”، يتجلى تفرد بناهي في الاقتصاد البصري من خلال حركة الكاميرا والزوايا والإضاءة ليبدو كل شيء حقيقيا حد الانغماس في تخبط الشخصيات، وهو يعتمد على الضوء الطبيعي، واللقطات الطويلة التي تجبر المشاهد على أن يكون جزءا من الرحلة.
وفي الفيلم يتخذ الصمت أكثر من معنى ويتجاوز عمقه الكلمات فيبدو أشد فتكًا من أي اعتراف، وأبلغ من أي صراخ، لأنه صمت يعرّي النفس من كل دفاعاتها ويعطي ملامح للذاكرة الموجوعة
وأما الصوت فيعاضده ليذكرنا دوما أن التعذيب لا يسقط بالتقادم وأن كل التفاصيل المسموعة المرتبطة به لا تُنسى بالتقادم بل تتعتق بفعل السنين وتصحو عند أول إشارة كصوت ارتطام ساق اصطناعية بالأسفلت
دون إعلان، يتسلل البعد السياسي للفيلم ويحاكي كل تفصيل منه رسالة مشفّرة من مخرج يعرف أنه يعيش في مجتمعٍ يخاف الحقيقة بقدر ما يحتاجها وأن الضحايا يعيشون مرحلة ما بعد التعذيب محاطين بأصداء الماضي، حتى لو اختفى الجلادون.
وفي ذروة الصراع بين الانتقام والغفران تتسلل بعض الصرخات لكن سرعانما يعود الصمت ليغلق الدائرة ويؤكد أن التعذيب يكسر داخل الضحايا شيئا إلى للأبد وأن العدالة الحقيقية لا تحتاج إلى رصاص، بل إلى اعتراف.
وداخل المساحة الغامضة بين القصاص والصفح، يُولد السؤال عن تعافي الذاكرات الموجوعة وتترسخ بساطة بناهي المربكة التي تجيد اللعب على أوتار الإنسانية وتتأرجح فيها الذات بين المنطقي والمبدئي.
ومع تدفق الأحداث في الفيلم يتخذ العنوان منحى مأساويا ساخرا ينهل من السخرية التي تطل برأسها من بين تفاصيل الفيلم ويستجير الفيلم بدهس كلب استعارة لكل المآسي التي يُقال عنها “مجرد حادث بسيط”.