في العاشر من جويلية سنة 2005، وُلدت طفلة إسمها شمس الهدى العمدوني، اسم يحمل في طياتع الشروق والوضوح والنور الذي يقارع العتمة.
وحينما بلغت السادسة من عمرها، غابت الألوان، فقدت شمس الهدى بصرها، نعم، لكنها لم تفقد بصيرتها ولم تنتصر العتمة.
تعثّرت العام الأول من دراستها، تأخرت عن أقرانها بسنة، نامت على أسرّة المستشفيات بدل مقاعد الأقسام، لكنّها ما لبثت أن عادت.
لم تكن تلك السنة الضائعة خيبة، بل كانت نقطة انطلاق، ومنذ ذلك الحين، خطت الطفلة معاركها بحروف من صبر وجلد حتى بلغت معركتها الأخيرة مع حلم مؤجل على أعتاب الإدارة اسمه الفلسفة.
شمس الهدى كانت تحلم أن تدخل الجامعة التحضيرية للعلوم الإنسانية، أن تقرأ نيتشه وتتفكّر في ديكارت، أن تجادل سقراط وتعيد كتابة الأسئلة الكبرى بنبرة تخصّها.
كانت تحلم أن تلبس الحروف، وتصبح هي الكلمات، وأن تردّ للمعنى اعتباره، وأن تقول “أنا أفكّر، إذاً أنا أقاوم”.
لكنّ الإدارات الباردة تتعارض قطعا مع حماسة الحلم، ولا تصغي لرغبة فتاة ارتطمت بحاجز الواقع إذ تجاوزت شمس السن القانونية بشهر وعشرين يوما.
شهر وعشرون يومًا ! ما وزنها أمام ستة عشر عاماً من الاجتهاد والانضباط والتميّز؟ما قيمتها أمام بصيرة لا تنام، وعزيمة لا تخبو، وطفلة حملت الحلم على ظهرها وركضت به غصبا عن العتمة؟
القرار الإداري القاسي، لم يراع العثرات التي اهتزت لها شمس الهدى ولا الليالي التي بكت فيها عيناها المثقلتان ولا الأم التي لم تنم أجفانها، ولا دفاتر برايل التي انهكت أصابعها، ولا عن الخطّ الذي رسمته وراء النور.
القرار الإداري توقف عند حدود السن دون مراعاة لحقوق ذوي الإعاقة والعدالة التربوية وحشر حلم فتاة في زاوية البيروقراطية متجاهلا أن شمس ليست رقما.
شمس حكاية مدادها الحلم الذي يتكوّر الآن في صدرها حسرةً، فمن ينصفها؟ من يعيد إليها إيمانها بالعدالة؟ من يحرر الإدارة من قسوتها في بعض الأحيان.