القاهرة/ أعظم الحواديت(الحكايات) يكتبها الإنسان الفلسطيني بدمه”، جملة قالها الممثل خالد النبوي خلال تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بجائزة فاتن حمامة للتميّز.
وقد مثلت هذه الجملة ذروة خطابه وعكست جوهره الإنساني والفكري فهي لم تكن محض عبارات عابرة أو مجرد تلوين بلاغي بل موقف واستخدام للضمائر في زمن لم يوقف نزف الدماء الفلسطينيةمنذ الاحتلال.
في لحظة لم يغب عنها الشكر والعرفان، حول النبوي الركح إلى مساحةٍ للذاكرة والموقف، مساحةٍ تُذكّر بأن الفن الحقيقي لا ينفصل عن الوجع الإنساني، وأن “الحكايات” التي يعيشها الممثل أو يرويها على الشاشة لا تساوي شيئًا أمام تلك التي تُكتب بالدم، بالصبر، وبالكرامة منذ أكثر من سبعة عقود في فلسطين.
وقد حمّل النبوي جملته كثافة رمزية بالغة وجعل من “الإنسان الفلسطيني” أيقونة للبطولة اليومية، وجعل من “الدم” حبرًا للحكاية، ومن “الحكاية” نفسها فعل بقاء ومقاومة، إذ أعاد تعريف معنى الحكي، وكأنّ الفن، في نظره، لا يكتمل إلا حين ينحاز إلى الحياة في وجه الموت، وإلى الإنسان في وجه المأساة.
في سياق مهرجان يحتفي بالسينما وبصُنّاعها، بدت الجملة كأنها تذكيرٌ بأصل الحكاية كلها وهي أن السينما ليست ترفا ولا زينة للواقع بل صوت للحقيقة مهما كان وجهها أو وقعها.
ووسط التصفيق والأضواء، اخترق صوت النبوي القاعة في حفل الافتتاح ليعيد إلى الخطاب الفني نبضه الإنساني، في زمن تاهت فيه البوصلة بين المجد الشخصي والوجع الجمعي.
هذه العبارات، رسّخ خالد النبوي صورة الفنان الذي يرى في الفن مسؤولية لا مجدا عابرا، وفي فلسطين ضميرا حيا للعالم، وفي الحكاية التي تُكتب بالدم دليلا على أن الجمالية لا ينفصل عن المقاومة، وأن على هذه الأرض فعلا ما يستحق الحياة.
بكلمات غلبت عليها العاطفة والرمزية اختزل خالد النبوي رحلة فنان ظلّ وفيّا لفكرته عن الفن بوصفه موقفا من الحياة قبل أن يكون مهنة أو مجداً شخصيًا.
وكان النبوي قد استهل كلمته بتحية حملت ملامح الامتنان والعرفان، موجّها الشكر إلى المخرج العالمي يوسف شاهين، الذي شكّل أحد أبرز العلامات في مسيرة النجم المصري الفنية والإنسانية.
كما لم ينسَ المخرج محمد عبد العزيز الذي منحه أول فرصة للظهور على الشاشة في فيلم ليلة عسل، معبّرا عن دهشته وامتنانه لأن الصدفة شاءت أن يجتمع التكريمان في عام واحد، بين المخرج والممثل في مرحلة مشحونة بالنضج.
وفي لحظة اتّسمت بالدفء الإنساني، توجّه النبوي بالتحية إلى رفاق الدرب من النجوم، فذكر يسرا، ومحمود حميدة، خالد الصاوي، وليلى علوي، مؤكدًا أن السينما لا تقوم إلا بجماعة من الحالمين.
ثم وجّه كلمة شكرٍ خالصة إلى سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، التي تحمل الجائزة اسمها، معتبرًا أن نيلها يُلزمه بالاستمرار في تقديم الأفضل، “لأن الجائزة باسم جيلٍ صنع للسينما المصرية مجدها الأخلاقي والجمالي”.
ولم ينسَ أن يستعيد ذكرى صلاح أبو سيف، الذي منحه دورا محوريا في فيلم المواطن مصري، قائلًا إن أبو سيف كان يردّد على مسامعه أن “الفيلم الثاني أهم من الأول”، في إشارة إلى أن النجومية ليست لحظة الحظ الأولى بل ما يليها من جهدٍ وإصرارٍ على البقاء الحقيقي في الذاكرة.
في التفاتةٍ تميّزت بالوعي الإنساني والسياسي، توجّه النبوي إلى الجيل الجديد من الفنانين بنصيحةٍ قال فيها: “اشتغل على قد ما تقدر، ومتستناش أي تقدير.” (اعمل ما استطعت إليه سبيلا ولا تنتظر اي تقدير).