تقدّم المخرجة الفلسطينية شيماء عواودة فيلمًا قصيرًا ينطلق من تقاطع الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية، مستعيدًا ملامح الحياة في مدينة الخليل خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، حيث شكّل الحصار والخوف والاقتحامات اليومية جزءًا من الواقع المعاش، لا بوصفه حدثًا سياسيًا مجردًا، بل كتجربة طفولة كاملة.
وجاءت فكرة فيلم “ذاكرة متقاطعة” الذي عرض ضمن أيام قرطاج السينمائية إثر حصول عواودة على أرشيف بصري يوثّق الانتفاضة الثانية في مدينتها، وخلال عملها على رقمنة الأشرطة، عادت إليها ذكريات الطفولة بقوة، لتفرض نفسها على عملية الاختيار الفني، وفق حديثها مع رياليتي أون لاين.
وبعد فترة من مقاومة هذه الاستعادة، قررت المخرجة أن تجعل من تلك الذكريات محور الفيلم، وأن تروي ما علق في ذاكرتها وهي تطالع المواد الأرشيفية، واضعة الطفولة في قلب السرد، على حد تعبيرها.
يركّز الفيلم على تفاصيل يومية صغيرة شكّلت وعي جيل كامل، من بينها ذكرى عيد ميلاد تحوّل إلى لحظة مفصلية في الذاكرة. ففي إحدى ليالي الاقتحام، حاولت والدتها حمايتها من المشهد عبر تغطية عينيها وسحبها نحو احتفال بسيط داخل المنزل، في محاولة لصناعة مساحة آمنة وسط الخوف.
هذه الحادثة، التي استحضرتها المخرجة في فيلمها، أصبحت المدخل الأساسي لبقية الذكريات، ومن أكثرها سيطرة عليها وهي و مازالت تؤثر فيها حتى اليوم كلما عادت إلى مشاهدة العمل، على حد قولها
وتتعامل عواودة مع الذاكرة بوصفها فعلًا للحفاظ على الذات والهوية، مؤكدة أن الاحتلال لا يستهدف الأرض فقط، بل يسعى إلى السيطرة على الوعي والذاكرة. لذلك، ترى أن سرد التفاصيل اليومية الصغيرة، المرتبطة بالرائحة والضوء والطعم، يشكّل وسيلة لمقاومة النسيان، وحفظ العلاقة مع المكان والإنسان.
ويحضر في الفيلم وعيٌ واضح بالفقد الجماعي، في مقابل القدرة الفردية على السرد، إذ تقول إنه فيما تمكّنت هي من رواية قصتها، فإن آلاف الأطفال الذين قتلهم الاحتلال الاسرائيلي لم تصلنا حكاياتهم، ما يجعل من الحكي مسؤولية جماعية لا تقتصر على زاوية واحدة، بل تتعدد بتعدد العلاقات والوجهات.
وفي “ذاكرة متقاطعة” تبدو الطفول مساحة قوة وخيال، لا مجرد مرحلة هشّة، ففي السياق الفلسطيني، حيث تتقاطع التجارب بين الأطفال والبالغين، يصبح الخيال وسيلة للحماية النفسية.
ومن هذا المنطلق تستعيد عواودة كيف كان عقل الطفلة قادرًا على تحويل مشاهد الخطر إلى صور متخيلة أقل قسوة، في حين ترى أن هذا الدرع يضعف مع التقدم في العمر ومع النضج.
ويأتي الفيلم القصير جزءا من مسار فني متواصل، إذ تعمل المخرجة حاليًا على تطوير فيلم وثائقي طويل يتمحور حول الذاكرة والطفولة، من خلال متابعة مجموعة من أطفال الخليل وهم يصنعون فيلمهم الخاص عن مدينتهم، في تجربة تقوم على «سينما داخل السينما»، حيث يتحول الطفل من موضوع للتصوير إلى صانع للصورة والسرد.