إلى كلّ من مازال يؤمن بأن للكلمة وزنا، وأن للحقيقة حقًّا في أن تُشاع وتُشع أكتب هذه الرسالة، لا طمعا في تعاطف، ولا رغبة في صدى، بل لأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل.
أكتب اليوم عن الصحافة، بوصفها كائنا يتداعى أمام أعيننا، كائنا من المفترض أنه صوت الناس ونبضهم، ومرآة البلاد وذاكرتها، لكنه اليوم متردّدً، خافت، يتعثّر في الطريق بين الرقابة الذاتية وخوف المؤسسات وهشاشتها، وبين ضبابية الأدوار وتحوّل المهنة إلى ما يشبه المعركة اليومية من أجل البقاء.
إن ما آل إليه وضع الصحافة ليس حدثا مفاجئا، بل هو سلسلة من الانكسارات الصغيرة التي لم ننتبه إليها بما يكفي.
كلّ خطوة إلى الوراء كانت تفقد القطاع جزءا من يقينه، من شجاعته، من إيمانه بأن للمهنة معنى. وكلّ تنازل كان يترك في الروح ندبة، وفي الصوت ارتجافة، وفي العين خوفًا لا يليق بمن يُفترض أنه حارس الحقيقة.
تردي الصحافة اليوم ليس مجرد أزمة قطاع، بل هو ارتجاف مجتمع بأكمله، فعندما تخاف الصحافة، يخاف الناس، وعندما تصمت، يعمّ الظلام، وحين تصبح الحقيقة محل تفاوض، يفقد الجميع حقّهم في معرفة أنفسهم.
الصحفيون اليوم يقفون في المنطقة الرمادية:
بين الحقيقة والضغوطات، بين ما يرونه وما يجرؤون على نشره، بين ضمير مهني ينهشهم، ومؤسسات أضعفها السياق فباتت تنازع من أجل الاستمرار، وقوانين معلقة لا تطمئنهم، وبيئة عمل تقذفهم إلى الهشاشة دون درع، فيما تصارع المحاولات المارقة عن السرب، عبثا،من أجل تعديل الكفة.
ورغم كل شيء يواصلون العمل ؛ يكتبون في صميم الضغط، يتحمّلون ما لا طاقة لهم به، ويغامرون في مهنة تثقلها كفة الصمت والخنوع والانتهاكات والوضعيات الاقتصادية والاجتماعية المزرية.
وكم يبدو المشهد قاسيا حين يتحوّل الصحفي، الذي كان يوما مصدر قوة، إلى شخص يبحث عن فضاء آمن كي لا ينكسر.
هذه الرسالة ليست بكاء على الأطلال.
هي محاولة أخيرة لقول ما يجب أن يُقال: إن الصحافة لا تموت بضربة واحدة، بل تموت حين تتردّد، وحين يُترك الصحفيون وحدهم وسط العاصفة، بلا حماية، بلا سند، بلا إيمان بأنهم جزء من مشروع وطني أكبر.
لذلك، إلى كلّ من يهمه الأمر:
أعيدوا للصحافة صوتها كي تستعيد البلاد بوصلة الحقيقة.
أعيدوا للصحفيين كرامتهم وطمأنينتهم وثقتهم بأن ما يفعلونه ليس بلا جدوى.
أعيدوا الاعتبار للمهنة التي كانت ولا تزال حجر الأساس في أي مجتمع يريد أن يرى نفسه بوضوح.
وأخيرا…
هذه الرسالة ليست صرخة غضب، بل آهة حزن؛
حزن على مهنة أُنهكت، وعلى صحفيين يواصلون الوقوف رغم أن الأرض تهتزّ تحت أقدامهم.
لعلّ أحدا يسمع.
لعلّ أحدا يعيد للضوء طريقه.