حينما سألتها “ماذا يعني لها فعل الكتابة”، قالت ” صناعة الجمال في عالم قبيح.. ومقاومة”، إجابة تعكس أسلوب الكاتبة العراقية رغد السهيل التي تنسج الجماليات من الوجع والدمار وتخلق من الدموع والسوداوية سخرية وكوميديا.
في بيت الرواية تناثرت كلماتها لتبوح بهواجسها التي تلتقي عند المرأة والوطن وهي التي عانقت الكلمات لتربت على روحها المثقلة بأوجاع بلدها التي تحب تسميته “الجمهورية العراقية” لما تنضح به من أنوثة.
من منطلق جمالي وعاطفي تنحاز، رغد السهيل إلى الأنوثة بكل ما تحمله من زخم وتفاصيل تلتقي مع الرواية، تلك الأنثى التي تهمس إليها بما يعتمل في صدرها من أفكار وتكسر برفقتها كل التابوهات.
والكتابة في نظرها ليست ترفا بل مقاومة ضد الخراب، وميناء سلام ترتب فيه فوضى المشاعر على وقع الحروب والقصف ودموع النساء وقهر الرجال والوجع الممتد من الأطفال إلى الشيوخ.
عالم الأدب، قدرها المحتوم الذي تشبهه بالحبيب الذي يطاردها وتتجاهله ولكنه يبلغ الوصال في نهاية المطاف، حاولت أن تنجو منه ولكن الكتابة غالبتها واختارتها فكان الحبر منفذا للحياة أزمنة الحرب والإرهاب والفقد.
لم يكن في وسعها الهروب من صوت النساء الذي يتصاعد في ثنايا العراق حيث تصر الأحداث على أن تكتب لأن المأساة أكبر من أن يبتلعها الصمت، ولا إسكات كل المشاهد الصارخة في ذهنها، فارتمت في حضن السرد.
في مجاميعها القصصية الخاتون (2011)، وسايكو بغداد (2013)، وكللوش (2017)، و بانت سعاد (2021)، وروايتيها منازل ح 17 (2009)، وأحببتُ حمارًا (2015)، ومحنة كورو(2023) تتماهى المأساة والملهاة، واللعنة والنجاة، وتتجاور العبرة والضحكة على تخوم حقيقة لا يمكن التفاوض عليها.
في زيارتها الأولى إلى تونس حملت معها ذاكرة مشحونة بالجمهورية العراقية التي تجري فيها مجرى الدم في الشرايين، ومثقلة بالحرب والإرهاب ومعاناة النساء المهمشات والباكيات في سوق النخاسة والمفقودات في غياهب الفوضى، ومسكونة بحنين لا يهدأ.
عن هذه الزيارة، قالت إنها رأت ما يفوق الخيال، وإن في التونسيين سحرا وألفة وحنانا منقطعي النظير، مما جعل اللقاء المؤجل مع تونس أشبه بالعناق الذي يسكن كل جزع وحيرة.
وربما تكون تونس حاضرة بعطرها الخاص في كتابات رغد السهيل التي تستلهم من المدن الكثير، وتمزج الفانتازيا باليومي، وتسخر من السلطة بأدوات الحكاية، وتجعل النساء يتحدثن بجرأة عن وجعهن المقموع.
ببصمتها الخاصة وأسلوبها المختلف تفتح الباب على مصراعيه أمام الجنون الجمعي الذي عاشته البلاد وتصورها وهي تحترق وتنهض وتنهار من جديد وتعاود النهوض وتُمعن في تفكيك الواقع من زاوية أكثر سخرية، كأنها تقول إن الكوميديا السوداء وحدها قادرة على الإمساك بجوهر المأساة.
كما أنها تستحضر التراث لتعيد مساءلته، وتكتب عن النساء أرادوا إلغاءهن من الذاكرة عمدا وتدعو إلى الإمعان في حيواتهن بعيدا عن الصور النمطية التي حُصرن فيها وتحاور الأمكنة التي تحولت إلى قبور مفتوحة، حيث في كل منزل سرّا أو جرحا.
وفي روايتها الأشهر “أحببتُ حمارًا” التي تُرجمت إلى الفارسية، تصنع صدمة جمالية ونقدية في آن يتحول حمار يشهد مقتل صاحبه زكي بائع الخضار ويفرّ، إلى كائن يفضح عجز البشر ويواسي الأطفال أمام المدرسة.
من هذا المدخل البسيط تُفتح الأبواب على فانتازيا نازفة حيث نساء يُبعن في سوق النخاسة كما لو أن الزمن عاد إلى الوراء، وجرائم شرف تُرتكب في صمت، ومسؤولون يعيشون في كواكب أخرى، وأطفال يواجهون الخراب بابتسامات هشّة.
الرواية ليست مجرد سرد، بل أشبه بأطروحة في أحوال النساء العراقيات، وفي معاناتهن مع الحروب والإرهاب والتهميش، وفي محاولتهن المستميتة لاستعادة الأنوثة بوصفها حنانًا وقدرة على تضميد الجراح.
المرأة هي جوهر كتابات رغد السهيل، في كل حرف من كلماتها نلمح أصوات نساء منسيات في البيوت أو مسلوبات في الأسواق أو محاصرات بجرائم الشرف، تراهن الضحية الأبرز لكل حرب، والوجه الأكثر نزيفًا في تاريخ العراق.
وعلى تخوم المأساة لا تقدّمهن ككائنات مستسلمة، بل كمحاربات يصنعن من الألم حكاية ومن الحكاية مقاومة، وهي إذ تكتبهن، لا تنفصل عن ذاتها، بل تهب شيئًا من نفسها لكل شخصية، فالكتابة عندها ليست موقفا موضوعيا منفصلا عن الذاتي بل مشاركة وجدانية كاملة، فيض من المشاعر يغادر جوارحها ليغدو نصا.
أسلوبها يتأرجح بين التهكم والفاجعة، جمل قصيرة صادمة، وجمل طويلة مشبعة بالصور، كأنها تستعير إيقاع الحرب، انفجار ثم صمت، موت ثم حياة مُهدّدَة، على نسق تعرية الواقع الذي تجاوز الواقعية.
وهي تحمل السرد، أحيانا، إلى عتبات عجائبية كي يقترب من تصوير الفظاعة، لذلك تمزج بين السخرية والدموع، بين الكوميديا السوداء والرثاء لتذكرنا بأن الضحك لا يُلغي الألم بل يكشف عمقه.
ومثلما تستدعي الفانتازيا، تستدعي التاريخ لتعارضه وتُسائله، فهي ترى أن كتابة النساء في العراق ضرورة، لأن التاريخ الرسمي المطرز بالذكورية محا أصواتهن من ذلك اللحظة التي جردت فيها الجمهورية العراقية نفسها من أنوثتها، حين صارت “جمهورية العراق”.
في نظرها محو المؤنث من الاسم كان تمهيدًا لحجب النساء من التاريخ ومن الحياة العامة، لذلك تكتب لتعيد للبلاد أنوثتها، لكن ليس على طريقة الغنج والدلال، بل من خلال الحقيقة الحنان والدفء والقدرة على الاحتواء.
الجوائز الأدبية لا تشغلها، تراها مسيّسة أحيانا أو موجهة نحو مواضيع لا تستحق، ومبنية على موضوع النص أكثر من جمالياته، وهي لا تبحث عن التتويج بل عن الأثر، عن كتابة تُقاوم النسيان وتفتح عيون القرّاء على المنسي والمهمش والمغمور.
ونصوصها لا تنفصل عن نقد النظام الذكوري الذي حوّل النساء إلى أدوات، وهي تكتب تدرك أن صوتها جزء من أصوات النساء جميعا، لا النساء العراقيات وحدهن، فالمعاناة النسائية، كما تراها، كونية والسكوت عنها هو العدو الأول.
واقع العراق يبدو عندها فانتازيًا حد الاستفزاز، من الحروب المتلاحقة، والأوبئة التي داهمت الناس، والمسؤولون الذين يعيشون في عالم آخر، والأطفال الذين يذهبون إلى مدارسهم في حضرة الموت، لكنها لا تستسلم للألم، بل تجعل منه مادة أدبية، تصرّ على تحويله إلى نص يقاوم النسيان.
الصورة من صفحة بيت الرواية