بقلم رانيا الحـمّـامي
الإهداء
إلى الباحثين على النور وسط الظلام،
إلى زارعي الحب أينما مرّوا،
إلى رعاة السلام في كل مكان،
إلى باعثي الحياة في فاقدي الأمل،
إلى أصحاب العزائم والإرادة،
إلى محاربي الوهن والضعف،
إلى كل من يرفض أن تهدمه الهزائم،
إلى من قرّر الحياة.
تضحية المُريد تَحمِلُ سالي إلى ذِكريات بَعيدة وإلى صَديقتيْها المُقربتيْن العَزيزتيْن على قلبِها : ميلا وآري. لم يَبقى بعد ذلك الإنْفجار الكبير إلا ذِكراهما.
ميلا وآري- رغم إخْتِلاف حياتِهما وقصَّتَيْهما – تَعتبرُهما سالي رَمزيْن للتَّضحية من أجل الآخرين.
ميلا ضَحَّت بنفسها وتزوَّجت رَجُلًا لم تَرْغَب به من أجل عائِلتها وآري ضَحَّتْ بحَياتِها وحياةِ إبْنها من أجل الإنْسانيَّة وفَضْح الفَساد الذي أهْلَك البَشر.
رغم كل الأحْداث التي مرَّت والتَّغيُّرات العظيمة، فسالي تَتذكَّر زَواج ميلا وكأنَّه بالأمس.
كانت سالي في غُرْفة ميلا، عِندما كانت تَقفُ هذه الأخيرة أمام مِرْآتِها بفُستان عُرسِها الأبْيَض المُرصَّعِ بلآلئ حقيقيَّة تَتَأمَّلُ وَجْهها وكأنها تَنْظُر إلى نفسها أول مرة. يَومها قدَّمت ميلا نفسَها قُربانًا لإنْقاذِ والدِها وعائلتِها وليَبْقى إسْم العائلة عُنوانًا للمال والنُّفوذ. نَزلت دَمعة من مُقلتيْها فأضَافت جَمالاً لوَجْهها الذي يُنافِس لآلئ فُستَانها إشْراقا وصَفاءًا. مَسحَتْها بتأنٍّ وتَمْتَمَت لسالي بصَوتٍ خافتٍ كأنَّها تُحادِثُ نَفسَها:
لَسْنا إلا أوراق أشْجار تَتلاعَبُ بها نَسمات القَدر، تَحْمِلُنا أين شاءت وما لنا من خيار.
ثم سَرحت بخيالِها.
لقد مرَّت على ميلا أشهرٌ تُشابِه الموْت ألمًا، عَصفَت بها أسْئِلَة وُجودية قاتلة، إنْتَهَت بإتِّخاذِها قَرارًا لا رجعة فيه إلى الوراء أبدا. المُوافقة على الزَّواج من شخص تكن له كراهية لم تَحمِلْها لبشرٍ قطُّ.
كانت ميلا تُحادِثُ سالي أحْيانا وتَطرَح عليْها أسئلة غريبة:
هل نَأْتي إلى الحيَاة لنَكون مَساجين أقْدارِها؟
ما الدَّاعي لمُواصَلة العيْش مادَامَت حُرياتنا مَسْلوبة
و إخْتيَاراتِنا مَحْدودة؟ أليْس الزَّواج إئْتِلافًا روحِيًّا لِشخصيْن لا يُمكِن لهما الإنْفِصَال، يَتشابَهان في أعْماقِهما ويَتَكامَلان ولا يَختَلِفان؟ أليْس الزَّواج بإرَادةٍ مَسلُوبة أكثرُ قذارةً من مومسٍ تُسَلِّم نَفْسَها بإرادتِها وبقُبولِها لِحَريفٍ لها حُريَّة إِخْتيارِه أو رَفْضِه على الأقل؟ أليس التَّضحية من أجل الوَالِديْن هو أسْمى التَّضْحِيات؟
بحرٌ من الأسْئِلة لم تتَمكَّن سالي من الإجابة عليْها، كادَت تُغرِق ميلا وتَدفعُها للجُنون فلم تَخرُج من غُرْفَتِها لمُدَّة طَويلة فَاقَتْ ثلاثة أشْهُرٍ. إرْتعبت والِدَتُها وكأنَّه لم يَكْفِيها نُزول المَصائِب متتالية على زوجِها مُنذ أن رَفضَتْ ميلا أن تتَزوَّج صَاحب الشَّركة العِملاقة التي يَترأسُها.
و لحُسْنِ حظِّ الأم والأب، أنه ذاتَ لحظةٍ، إنْتَفَضَتْ ميلا من فِرَاشِها وقرَّرَتْ نَفْضَ كل الأسْئلة من رأْسِها وإِنْقاذِ عائِلَتِها من كل الضُّغُوط وإسْتِرْجَاِع الصُّورة الجَميلة والسمعة المَرموقة لهم في المدينة. وأعْتَبَرَت ميلا أن تلك اللَّحظة هي لَحظة عظيمة، إنْطِلاقًا مِنْها تَغَيَّر كل شيء.
كانت ميلا أجْمَل عَروسٍ يُمْكِنُ أن تَراها العيْن في ذلك العَهْد إختَارَها زوجةً له أغْنى رَجُل.
و كانت سالي تراها عَظيمة جدًّا فقد قدَّمَت نَفسها قُرْبانا من أجل عائِلَتِها. وكان ذلك اليوم من العهد الغَابِرِ هو يوْمُ دَفْنِ ميلا لحياةٍ وولادَةٌ لحياةٍ أشدَّ مرارةً من الموْت.
أما تَضْحِيَةُ صَديقتها آري فهي أقْرَبُ إلى تَضْحِيَة المُريد، تَضْحِيَةٌ بالنَّفْسِ من أجلِ المَجموعة ومن أجل الخيْر للبشريَّة.
كانت آري صحفيَّة إسْتِقْصائية، فضَحَت أكبر الفاسِدين وتُجَّار البَشر والأسْلِحة في ذلك العَهدِ الغابر. كانت سالي تَلْتَقِيها بإسْتمرار إلى أن لَحِقَت آري وطِفْلها تَهديدات دَفعتْها للإخْتفاء. وكانت سالي تَعْتَبِر آري ملاَكًا أُنْزِلَ على الأرْض ووُكِّلَ بِبَسْطِ العدْل عليْها لوْلا خطأ واحدٍ.
كانت آري تَكْذِبُ على أمِّها وكان الدَّافع إبْعادُ الأم من كل الأحْداثِ السَّلبية التي يُمكن أن تُؤَرِّقَها. كانت تُدرِك أن الكَذِبَ هو الكَذِب، لا مُبرِّرَ لَه وتُؤْمِنُ أنَّه آفة بشرية وهي الخَطيئة الأولى التي وَلَّدت وتولِّدُ كل الخَطايا. فلا مَكان للخِيانَة إن لم يَكُن للكَذب مَكان. ولا مَعنى للسَّرِقة غيْر الكذِب وتحويل مِلْكِيَّة الشَّيء لمَن لا مَالِك له. جَريمة القَتْل لا مُنفِّذَ لها إلاَّ كاذبٌ على نفسه يُعلِن دون أن يَنْطِق أنَّه إلهٌ قادرٌ على تحْديدِ الأعمار بإنْهاء حياة بشرِيَّة متى قرَّر ذلك.
لكن ما جَعل آري تَكذِبُ على أمِّها، هو الحَالة الصحية المُتدهوِرة وكميَّة الأدوية الكبيرة التي تَتَنَاولُها لتَبْقى بحالة مُستقرَّة، بعد الغَيبوبة المُطوَّلة التي دَخلتْها إثر القتْل التَنْكيلي لزَوجِها.
والد آري كان من المُناضِلين ضِدَّ سياسات الدُّول في إضْطهاد شُعوبِها والدَّفع بهم ليَكونوا قَطيعا تَقُودُه بعْض الأيادي التي تَغلبها المَصالح الماديَّة لا الإنْسانية والضيِّقة لا العامة. كانت حيَاتُه مَزيجا من نِضال وكابوس لم تَسلم حتى زَوجتُه وأبناؤُه من معايشتِه. رَحل الأب، لكن جينات النِّضال تَوراثَتْها آري دون أن يُوقِفَها الخَوْفُ أن تَلْقى مَصيرِ أبيها. فقدْ كانت آري على يَقينٍ أن إرْتِقاء البَشريَّة وسَعادتها والتَّمكن من حُقوقها البَسيطة وحُريتها دفع ثَمنه أفرادٌ آمنوا بالذات الإنسانية قبل إيمانهم بذواتِهم فكانوا يُقدِّمون التَّضحِيات الجِسام دون إنْتِظار مُقابل. أفرادٌ يَتواجدون على البَسيطة لأداء مُهمّة نبيلة:
التحرير والتنوير.
و كانت آري تُؤكِّد دائما أنه – وإنْ نَسيَتْهم الذَّاكرة أو التاريخ – يُردِّدُ الكَوْن أسْماءهم دون تَوقف. فمَن يُهدي حَياتَه من أجلِ مَهامٍ نبيلة تُفيد الإنْسانية وتَرتقي بها، يَذكُره الكَون إلى الأبد. وآري إخْتارت أن يَذكرها الكون وإن نَسيها الجميع.
و لهذا كانت سالي – بعد الإنفجار الكبير – تَتذكَّر كثيرا آري، وكأنه فعلا يُرَدِّدُ الكَون إسْمها دون توقف.
تَتذكر سالي أيْضًا المرَّة الآخيرة التي إلتَقتْها فيها وكان ذلك بَعد إخْتِفَاِئها التَّام. كان لِقاؤهما كمعجزة، قضَت حينها سالي ليلةً في بيْت آري ونامَت في غُرْفة الجلوس. ودون أن تدرك السَّبب خيَّرت التظاهر بالنوْم لمراقبة آري دون أن تتَفطَّن إليها.
شَاهدت آري تَأخُذ لوحة الألْعاب من بين يَديْ طِفلها الذي غَلبه النُّعاس وتَضعُها على المِنْضدة ثم تَأخذُه في حُضْنِها وتُلاعِبُ شَعْره وتُقبِّلُه. تَغْتَنِم نُعاسَه لتُكلِّمه وتُحادِثَه بما لا يُمْكِن لها قَوله وهُو مُسْتيْقظ، مُتناسَيةً وُجُودُ سالي في الغُرْفَة:
صَغِيري، كم أشْتَاق لأَبيك؟ وأَعْلَمُ أنَّني لن أراه مُجدَّدًا إلاَّ على وَجهك ولن أسْمَع صَوتَه إلا عندما تَتكلَّم. وكأننا كنا نعلم أن المنيَّة ستَخطِفه فأتيْنا بك شَبيها مُتناسِخَا له، فيَرْتَوي قَلْبي وتَبرُد لهفَتي رغم فِراقه الأبدي. حَفظك الله لي.
ثم تمدُّ يَدها لصورة زَوجها المَوضوعة فوق المِنضدة وتُحادِثها بصَوتٍ مُنخفضٍ:
عزيزي، كما وَعدتُك، لن يوقِفَني شيء عن القيام بواجبي ونُصرة الحق وكَشف المُجرمين وفَضحهم، مهما بَلغ جَبروتهم، إلا الموْت. تِلك المَبادئ التي جَمعتْنا في كلية الصَّحافة سَتبقى مُتوهِّجة في ذاتي كنَجمة تُضيء طَريقي في الظلْماء. لن تَثْنيني التَّهديدات وخُطورة ما أقوم به أو خَوفي على صَغيرنا.
أ و ليست الصحافة سُلطة ودَور السلطة هو الحد من الفَوضى والظُّلم وتَحقيق عيْش مشترك سليم للبشر.
اسْتفاق ابنها باكيا فأبْدت سالي اسْتِفاقتها من النوم.
الطفل: أمي، اشْتقْتُ إلى أصْدقائي. أريد أن ألعب معهم حقيقة، لا عن بُعد. أريد مُلامَستهم. اشتقت إلى مُعلِّمتي.
آري: عَزيزي، ألم يُعجِبْك اللّعب معي أمس بالكرة أم أنني لستُ لاعبة ماهرة؟
الطفل: لقد ضَجرتُ من هذا البيت، أُريد الخُروج ، أريد اللعب في المدرسة عند الإسْتراحة.
آري: تَحمَّل قليلا يا بُني، لن يَطول الأمر. سَنُسافر بعيدا وسنُغيِّر هذا البيْت وسيَصير لك أصدقاء جُدد ومُعلِّمون جُدد ومَدرسة جديدة وسَتَلعب عند الاسْتِراحة مع أصْدِقائك إلى أن تَضْجُر وتَمل.
الطفل: أمي، لا أُريدُ مَدْرسةً جَديدة ولا أَصدقاء جُدد. أُريد مَدْرستي وأصْدقائي.
عانَقتْه آري فقامَت سالي وعانقَتْهما والدُّموع تَملأ عينيْها. واعْتبرَت سالي أن آري هي رَمز التضحية من أجل المجموعة.
أما اليوم، فرمزٌ آخر ورُوحٌ أخرى سيردِّدُ الكون اسْمها إلى ما لا نهاية : المُريدُ الذي رَغِب في إنْقاذ بيبو وتَقديم نَفسه للفضائيين فِدَاءا له.
* على امتداد سنة 2025 ننشر رواية "الفاضرضي"، في أجزاء بصفة دورية وذلك بالاتفاق مع الكاتبة ومؤلفة هذاالعمل رانيا الحمّامي، التي تمتلك حصريا حقوق النشر. وقد تم تقديم هذه الرواية من قبل الباحث والدكتور توفيق بن عامر، رئيس الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين. لمعرفة أكثر تفاصيل عن كاتبة الرواية يمكن زيارة موقع www.raniahammami.tn