بقلم رانيا الحـمّـامي
الإهداء
إلى الباحثين على النور وسط الظلام،
إلى زارعي الحب أينما مرّوا،
إلى رعاة السلام في كل مكان،
إلى باعثي الحياة في فاقدي الأمل،
إلى أصحاب العزائم والإرادة،
إلى محاربي الوهن والضعف،
إلى كل من يرفض أن تهدمه الهزائم،
إلى من قرّر الحياة.
رغْم مُضيّ كل هذا الزمن، لم يَنسى بيبو أيضا ذلك المساء الذي قرَّر فيه التَّقرُب من سالي.
بعد عمل يومٍ شاقٍ، كان يَنْظُر عبر نافذةِ بيْتِه إلى الطَّريق الطويل المُبلَّل بِرذاذ المَطر المُتساقِط.
كان كل ما يُحيط به يُعيق أحلامه ويَضغط عليه ويُحبطه أحيانا، لكن كان يَكفيه أنها أحلامه، ليَجْعلها تَتَحقَّق. لتَحقيقِها، سَلك طَريقا طَويلا جدًّا وكَثيرة التَّشعُبات، كثيرة المَلاهي على جانبيها ومُمْتَلِئة حِجارة ورِمالا وحُفرا، وكان كل ما يَجب عليْه فِعْلَه هو أن لا يتوقَّف، لا يُلهيه شيء من المَسرَّات القَابعة على جانبيْ الطريق.
يَراه الٱخرُون ناجِحًا، ويُصنِّفُه العامِلون في ميْدان التُكنولوجيا أنه الرقم الأوَّل الذي لا تَصْعُب عليْه أي مُهمَّة أو لا يَصعُب عليه تَنفيذ أي مَشروع، لكن ورغم ذلك كان يَحمل شُعورًا عميقًا بالفَشل لا يُغادر كِيانه. ربما كان يُحمِّل نفْسه مَسؤوليَّة تغيِّير البشرية إلى الأفْضَل أو الإنْتِقال بها إلى مُسْتوى ٱخر أكثر أمْنًا وسلاما وتَطورًا ويرى أنه لم يصِل إلى ذلك فيَعتَبِرُ نفسه فاشلاً. كان يَعرف أن العاقل لا يُحمِّل نَفسه مثل هذه المَسؤولية ولا يُحمِّل مثل هذا الحلم، لكن قَناعته ثَابتة أنه عليه تَغيير العالم. كان جُنونا يَراه بيبو عين العقل وهَدفه الذي يُخطِّط له بإسْتمرار. كان يُغيِّر إستراتيجيات وخُطط الوُصول إلى هَدفه حسب المُعطيات والأحْداث. يتأقلم مع ما يحيط به ويطوّع كل شيء خدمة لما في نفسه. كان إيمانه بِنفسه أُسطوريا يَختفي وراء خَجل يُوحي بقلَّة ثِقة بالنَّفس أحْيانا كثيرة.
خَنقَته أفكاره ذلك المساء فشَعر بالحاجة إلى إستنشاق الهواء الطلق والسَّير على هذه الطريق المعُبَّدة أمام بيْته والتي يراها تشبه الطريق التي إختار إتخاذها في حياته. طريق يَبدو بلا نهاية. حَمل بيبو مِعطفه المُبرمج لتَعديل حَرارة الجسم حسب تغيّر المَناخ وخرج من منزله، تمشَّى على الرَّصيف شارد الذهن ناظرا إلى الأسفل كأنه يبحثُ عن شيء فقده.
يَبحث عن إجابة لأسئلة تَحتل كل تَفكيره ولا يُمكنه البوح بها لأحد. كان يُخمِّن أن يُخبِر بها سالي زَميلته ذات الكَفاءة العَالية جدا والذَّكاء الحاد لكنه كان يَخافُ أن تُخبِر أحدا أو تُخبِر رُؤساءه في العمل وهو لا يرغبُ أن يُعلم أحدا بما يجري. فما كان يَحتاجُه بدَرجةٍ أولى هو السِّرية المُطلقة.
لكن كانت سالي – كإمرأة وككفاءة في عالم التُكنولوجيا، تُؤمن بما يُؤمن به من قُدرة على التَّواصل مع سُكان كواكب أخرى – هي من يَحتاجها لتَنفيذ ما يُحضِّر له. هي المرأة الأنْسب لتَنفيذ مُخطّطه. وكان مُتأكِّدا أنه لو ضَمن صَمتها وقُبولها الفِكرة، ربما كانت فُرصته لتَغيير العالم. ثم تَمردَّت فِكرة برَأسه:
ماذا لو لعِب دوْر العاشِق الولهان، ستَكون المُهمَّة أكثر سهولة. فما من إمْرأة بقُدرات سالي تَرضى أن تَحمل جنينا وتُنجب طِفلا فقط ليكون حاملا لِجينات سُكَّان الكواكب الأخرى. لكن أن يَكون ثَمرة حُب مُضافا إليه جينات أخرى فالأمر يَكون مقبولا. وتساءل:
هل يُمكنه إقناعُها أن لا تَحمِله في أحْشائها وتَدعه يَنمو في حاضنة كما يَفعل أغلب أمَّهات ذلك العهد بعد أن صار أغلَبُهن يتهَرَّبن من الحمل وتَبِعاته؟
في الحاضنة، سَتكون العَملية بالنِسبة إليه أسهل بكثير وربما يُضيف جينات سُكان الكواكب الأخرى دون أن يُخبرها. تكتشف ذلك عندما يَكبر الطفل. طِفل خارق لا يُصيبه المرض ويَتواصل بسُهولة مع سكان الكواكب الأخرى. خمَّن أن الطفل المُعدّل سيكون شاباً مَحظوظا يُمكنه أن يَقضي عُطلته في أحد الكواكب لما سَيَحمله من تَحْديث جيني ويَكون الأب الأوّل لسُلالة جديدة من البشر.
لكن كانت لديه بعض التخوفات:
ماذا لو لم تَصل الجينات المَوعودة أو أن التَشفيرات التي تَصلُه ليست صادقة. وتَساءل ماذا يَنتفع سكان الكواكب الأخرى من مَولود بَشري أرضي يَحمِل جيناتهم؟ هل التَّواصل مع سكان الأرض هو فِعلا ما يَحلُمون به مُنذ ٱلاف السِّنين كما أبْلَغوه؟
مَازال يتذكَّر رنة ساعته اليدوية التي قطعت فيض أفكاره، كان روبوته هو المُتَّصل أخبره أنه أعدَّ له العشاء، وأنه يَنتظر أوامره لإعْداد حمَّام الحليب ككل يوم خميس.
لم يشعر بيبو يومها بالرَّغبة في العَودة إلى المنزل. فلم يَكن المنزل أو أي مكان يتَّسِع لطاقة مشاعره وخيالاته وأحْلامه. أحْلامه تبدو مُخيفة وأفْكاره خَطيرة لكنه يراها بَسيطة. يرى بُوضوح ما عليْه القِيام به.
ومُنذ ذلك المَساء إنْطلق في مَرحلة جَديدة، أطلق عليها ” سالي قصة عشقي الأسطورية”.
و صار بيبو وسالي يَقضيان كثيرًا من الوقت معا.
لم تَخُنْه الذَّاكرة هذه اللحظة في إسْتحضار جُزئيات صغيرة لعَلاقته بها.
في حوض سِباحة مُعلَّق بقاعة الإْستراحة في مَنزله أخَبرته سالي وهي تُبلِّلُ كتفيْه بحفنة ماء:
لم أكن أعلم أنك رومنسي تُتْقِن العِشق كما تُتْقن البرمجة.
لاعبَ شَعْرها مُجيبا : لستُ من يُتقن العِشق لكنك فاتنة لدرجة أنني لم أستطع إبْعادك عن تفْكيري مُنذ أن رأيتك أوَّل مرة.
سالي: يَعني مُنذ سَنوات؟ لماذا لم تُعِّبر لي عن حبك إلا الٱن؟ لم أنتبه إلى ذلك أبدا.
بيبو: ولماذا قَبِلت أن تكوني معي وتُقاسميني الحب وربما أطْفالا يوما ما.
سالي: وكيف لي مُقاومة حبك. أنا من الذين ينْجذبون فقط للأذْكياء. تلك مُيولاتي. أجِد نفْسي أمام أذْكى رجل فوق الأرض. من الطَّبيعي جدا أن أُغرَم بك، أنت الذي نِلْت أعْلى مَرتبة في جَميع شركاتنا في ظرفٍ وجيز جدا وتُصنِّفُك اسْتفْتاءات الرأي العام الرَّجل الأكثر ذكاءً في العالم…
بيبو: وأنا أيضا أعْشق الذَّكاء ولذلك اسْتحوذت على عقلي. ولستِ بعيدة على التَّصْنيفات العالمية للأكثر ذكاءا. لكن حبي لك لا علاقة له بكل هذا. لقد فَتَنَنِي جمالك.
سالي: حقيقة، ما أكثر شيء شدَّك لي؟
بيبو: جَمالك ثم ذَكاؤك الذي يَحملك إلى الإيمان بما أُؤْمن به… أنتِ أوَّل من صدَّق إتِصالي بسُكان الكواكب الأخرى وقبل أن ترى أي دليل أقدِّمُه.
سالي: حبيبي، أ مازلتَ تذكرُ تلك اللحظة.
بيبو: تلك اللحظة، جعلتْني أراكِ حبيبتي وأيضا أم أطفالي. أحبُّك.
خرجا من المسبح المُعلَّق وفي عيْني كل منهُما شُعاع أمل وحلم. وكان يُحادث نفسه:
هل يُحقِّق ما يَسعى إليه ويَكون له شَرَف أن يكون أب أوَّل أرضي يُمْكنه التَّعايُش مع الفضائيين. في حين كانت سالي تتساءل: هل وَجدَت أخيرا الحب الذي حَلمت به أمْ أنها في حلم جميل. قَطع أحلامهما الروبوت مُحمَّلا بمَناشف مُلوَّنة.
و لم يَمضي بعد ذلك وقت طويل، ليُعلن بيبو عَلاقته بسالي وانْتِظارهما لمَوْلود.
كان مَدعُوًّا لعشاء عمل مع أوشطو أحدُ مُؤسسي الشَّركة التي يَعمل بها. كان يَعمُّ المكان بعضُ الصمت المُختلط بالموسيقى وكان بيبو وأشطو غارقين في بَحر أفْكارهما إلى أن فَاجأه أوشطو بمُلاحظة لم يتوقْعَها:
ما زاد إعجابي بك، أن غرامياتِك لا تَأثير سلبيًا لها على سيْر العمل والمَردود. أعْترف أننا شَعرْنا بالخَوف عندما لاحظنا علاقتَك الحَميمة بسالي رغم مُحاولتكما إخْفاءها. لكن يَسير كل شيء على ما يُرام بل ربما أثرَّت هذه العَلاقة إيجابيا على مَردودكما.
نظر إليه بيبو مبتسما وهمس: أًخبرك سرًّا ولا تُخبر به أحدا. فقد أتَّفَقت مع سالي أن يكُون إعلان الخَبر في حَفلة مُنظَّمة على شَرفنا نَسْتَدعي فيها جَميع الأصْدقاء. أنا وسالي، نَنْتظر مولودا.
أوشطو: حقا. خبر سار. ننتظرُ إذا عبقريا يُضاف إلى العالم الذي يشُّح فيه الذَّكاء. لكن لا تَظهرُ أي علامات حملٍ على سالي.
بيبو: أخْترنا أن يكون الحمْل عن طريق الحاضنة في المَخبر. نوفِّر للمولودِ المُناخ وكل ما يَلزم للنموِّ الجيِّد ونُراقب كل التَّفاصيل. ونَضْمن أن لا يُؤثِّر الحمْل على عملِ سالي.
فردَّ أوشطو أن إنتماءهما لمؤسسة وتعلَّقهما بالعمل والبرْمجة يُثير حقا إعْجابه ويُقدِّرُه كثيرا. فمن سيَخطُر بِباله ما يَعدُّ له بيبو.
*****
لم تُلاحظ سالي قُبْح وجْهه يومًا فهي لم تَره إلا بقلبها. إبنٌ إختارتْ له أن يَكون مُختلِفا عن كل البشر عندما وافقت أن تَختلِط جيناته البَشرية بجينات كائنات فضائية قبل ولادته لكنها لم تَختر يوما أن تُفارِقَه ولم يَخطُر على بالِهَا يوْما أن يصِل الفَضائيون الأرْض للحُصول على الإبْن الهَجين، الفَاضَرْضِي، كائنٌ يجمعُ بين أرْضيّ وفضائِيّ.
مرَّت أكثر من ساعتيْن وسالي تَنظر إلى تيتو المُسْتَلقي أرضًا وتَتأمَّلُ وجهه وعيْنه المُغمَّضة وهو يَغُطُّ في نوْم عميق. تَشعر بحبِّه لها وإن لم تصِل كلماته إليها ليُعبِّر عن ذلك إلا عبر صوت يُشابه الأنين. كيف تسلِّمُ فَلْذة كَبَدِها إلى المجهول؟ أي أمٍّ يُطاوعها قلبها لفعل هذا؟ لن تُسامح نَفسها أبدا إن تَركته يَرحل إلى مكانٍ لا تعرِفه ولا تعلم عنْه شيئا مع كائنات لا تعلم عنها شيئا. من قال أنهم سَيَعتبِرونه حقا إبْنهم
ويُوَفِّرون له الحب والحنان اللازميْن؟ كيْف لها أن تَكون أمًّا إن لم تَحْمِ فلذة كبدها؟
تُوقظ تيتو وكأن شيئا يُحرِّكُها دون أن تتمكَّن من السَّيطرة عليه. الأمر لا يَحتاج إلى تخْمين أو إلى قرار. الأمر بسيط. تفرُّ وابْنها إلى المَخبأ الذي فيه اختبأت مع بيبو وتيتو عند الإنفجار الكبير، تحت الأرض، لا يعلمُ مكانه أحدٌ ولن يصل إليه أحد غير بيبو الذي لن يتفطَّن إلى مُغادرتهما المَقام إلا مُتأخرا، يكون الفضائيون حينها إنْطلقوا في إبادة سكان القرية ويكون بيبو قد ابتَعد عن القرية في مُحاولة الوُصول إليْهما لاسْتِرْجاع تيتو فلا يَصِلُه الغاز القاتل. وعند رحيل الفضائيين وبعد أن يكونوا قد تأكدُّوا أن لا أحد بقيَ على قيد الحياة في القرية ، يَشدُّون الرَّحيل للبحث عن قرية بها سُكان أحفادِ بعضِ من بقى على قيد الحياة صُدفة بعد انفجار الأرض الكبير.
سالي : تيتو. تيتو…
يغطُّ تيتو في نوْمه العميق. فتُحادِثُ نفسَها:
أذهبُ إلى المطبخ وأعدُّ مؤونة المَّدة التي سَنختبئ فيها ثم أعودً لإيقاظِه. فالصراخ الذي انْتابه مُنذ أن وصل الفضائيون القرية عندما يكُون مُستيقِظا ربما يُثير انتباهَ بيبو.
*****
صوت آلي يَجوبُ القرية يَصدُر من الفضائيين الذين يَتبعهُما صُندوق آلي بِعجلات يَنفث غازا. غاز يَملؤ الشَّوارع ويَخترِق الأبواب يُحوِّل كل من يَسْتَنْشقه إلى دُخان أخضر.
الصوت الآلي يُعيدُ دون إنقطاع : أخذْتُم المُدَّة الكافية لمدِّنا بإبننا الفَضائي الذي لا يُشبهكم لكنَّكم أختَرْتُم أن يكون الموْت مَصيركم. لن يبقى فيكم كَائن مُتحرِّكا إلا ابْننا. سنَأخذه وستَبقى قَريتكم ضرب مثل للعُصاة. خالية خاوية لا حياة فيها.
تَتحَوَّل الأجسام إلى دُخان أخَضر وتذْبُل في لحظات الأشجار. يتحوَّل شُموخ كل الإخْضِرار المُندفع من سطح الأرض إلى اصْفرار وتتحوَّل زُرقة السَّماء إلى اللون الأخْضر ويمْتلئُ الفَضاء دُخانًا.
تُشاهد سالي ذلك من بَعيد، وهي تُحاول جَذب تيتو ليُسرع فهو لم يتعلَّم كيفية السَّيْر بعَجلاته. يَمتَلِؤها الرُّعب فالصوت الآلي أصْبح مَسْموعًا والخُضرة المُحيطة بالَمقام الذي مَزال يَظهَرُ لها رغم المَسافة الكبيرة التي تَفصلها عنه صارت صَفراء. لم تعد لساقيْها المُرتجفتيْن القُدرة على حَمْلها ولم تَعد تُلاحِظ إلا دُموع تيتو المُنْهَمرة من عينه الواحدة
و كأنه مُدركٌ ما يُحيطُ به. الصوت الآلي يَزداد إقْتِرابا وصُراخ تيتو يَزداد عُلُوًّا ودُموعُه تَزْدادُ إنْهِمارًا أما هي فساقاها المُرتجفتان أعْلَنَتْ الإسْتِسْلام ووَقَعَتْ أرْضًا. لم تَعُد تَعِي ما يَدُور حولها. غابَ كل شيء من أمامِها حتى تيتو وظهرت صور كل أحْداث حياتها- قبل الإنفجار الكبير وبَعده- تُشاهدها كأنها حلقات مُترابطة تَسْتَرْسِلُ دون نهاية.
النهاية
* على امتداد سنة 2025 نشرنارواية "الفاضرضي"، في 12 جزءا بصفة دورية وذلك بالاتفاق مع الكاتبة ومؤلفة هذاالعمل رانيا الحمّامي، التي تمتلك حصريا حقوق النشر. وقد تم تقديم هذه الرواية من قبل الباحث والدكتور توفيق بن عامر، رئيس الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين. لمعرفة أكثر تفاصيل عن كاتبة الرواية يمكن زيارة موقع www.raniahammami.tn