على ركح مهرجان الحمامات الدولي، في ليل واحد، تعاقب عرضان لكلٍّ منهما لغته الخاصة وجراحه وهواجسه، ولكن بينهما خيوطٌ هلامية نسجت لحظة مشتركة تحولت فيها الموسيقى إلى طقس علني لاستعادة المعنى وسط الخراب.
عرضان، كلاهما آتٍ من أراضٍ مثقلة بالحرب، بالاغتراب، بالتشظّي، وبالحلم الذي لا يموت؛ رَست، الثنائي اللبناني السوري، والسودانية السارة والنوباتونز، التقوا جميعا عند بوابة الشتات.
مشهديتان متباينتان موسيقيا لكنهما تعانقتا عند النبش في الأسئلة العالقة في المساحات المعتمة بين الوطن والمنفى، بين الحنين والتمرّد، بين الذاكرة والحرب وفي التسلح بالموسيقى في مواجهة النسيان، والتشبث بالهوية الهوية، ومقاومة الاغتراب.
فروقات في الأنماط والمقاربات الموسيقية والجنسيات تلاشت حينما همست الإنسانية باوجاعها في ثنايا الأصوات والإيقاعات وخطت “رست” و”السارة والنوباتونز” فصول الاغتراب والهجرة والوطن والحرب.
الفصل الأول.. الحنين والحيرة
الثنائي رَست، بترا الحاوي وهاني مانجا، لا يصعدان الركح فقط ليقدما أغان، بل ليبنيا جسرًا من الأصوات بين ماضٍ يئنّ ومستقبل لم يولد بعد.
في عرضهما، بدا الصوت كأنّه حوار بين أوتار تقاوم حتى لا تنقطع وموجة الكترونية مشحونة بالمقاومة، هي موسيقى لا تسعى لترضية الأذن، بقدر استفزاز السؤال على إيقاع حكايات فنانيْن من جيل متمرّد.
الثنائي يشكل وطنه في الألحان ويستعير النوتات من ذاكرة جماعية ممزقة ويروي حكايات تسمع بأذن القلب فيما يتعالى صوت “بترا” ليحاكي صمود بيروت وتستدعي إيقاعات “هاني” ثبات دمشق.
الحرب ليست موضوعًا في العرض، بل خلفية دائمة، موسيقى مضمرة، غير معلنة، لكنك تستشعر ثقلها في كل زفرة لحن، في الصوت المبحوح من الحنين، والخلفية الموسيقية التي تضجّ بصدى المدن المنكوبة.
والثنائي لا يعيد فقط تقديم طرب عربي بأسلوب معاصر، بل يفككه ويعيد صياغته موسيقيا ويسائله من خلال محاولات خاصة على غرار “بديهيات” التي تحاول أن تجد إجابة لسؤال “هل رأى الحب سكارى؟”.
و”رَست” ليس فقط استعارة لمقام موسيقي بل هو مساحة رمزية تؤوي روحين أرهقهما الواقع وحالة من البحث عن توازن مفقود ومحاولة لاستعادة تماسك داخلي في عالم ينحل وينهار دون مقدمات.
التركيب الصوتي لدى “رَست” يحمل بصمات واضحة للحرب التي صارت نسيجا للجمل الموسيقية، هي ليست حدثا عابرا بل حالة شعورية ممتدة تتجلى معها لبنان وسوريا في تفاصيل العرض، لا أماكن، بل أحاسيس، وظلال ذاكرة.
والحضور الركحي للمغنية والموسيقية اللبنانية بترا الحاوي والموزّع السوري هاني مانجا محمل بزخم المقامات بكل ما تحمله الكلمة من دلالات موسيقية ومكانية إذ تبحث كل تعبيراتهما عن جذر وتحاول الإمساك بوطن ما انفك ينفلت.
صوت بترا معمّد بذكريات كثيرة، لم تكن تغني فحسب بل كانت تُفكك الأصوات وتحفر في طبقاتها، إلى جانبها، كان هاني مانجا يبني طبقات إلكترونية تتقاطع مع الطرب ولا تناقضه وتخلق ترددات تشبه أصداء مدن صارت غريبة عن أسمائها.
العرض ككل بدا أقرب إلى تأمل طويل في المهجر، في الغربة والاغتراب في نسق تتلاحق فيه سيول من الحنين المثقل وكأن الثنائي “رَست” في بروفة سرمدية داخل دروب الذاكرة.
الفصل الثاني.. في مواجهة النسيان
مرة أخرى يتخذ المهجر صوت امرأة؛ السارة المهاجرة السودانية التي تصدح بأكثر من لغة بمصاحبة فرقتها “النوباتونز”، وهي لا تعيد فقط توزيع الأغنيات الشعبية فحسب بل تعيد تدوير المعنى.
من تفاصيل الأغاني التي كانت يوما هامشا في الذاكرة، صنعت السارة خطابا سياسيا ناعما، وشكلت مقاومة تنبع من جسد أنثوي راقص، ومن صوت يجيد سرد الحكايات على إيقاع صوت النيل المتجلي في أغنياتها.
آثار الطين على الأقدام المهاجرة، المساحة الفاصلة بين التشبث بالوطن وذكرياته المرهقة، بعض من ملامح الوعي الموسيقي المقاوم للسارة والنوباتونز حيث تمثل ألحانهم ملاذا ولغة بديلة وسط السائد.
السارة امرأة تنتمي إلى السودان، وتحمل النوبة في صوتها وفي خطواتها، لكنها بنت الهجرة، بنت المنفى الطويل، و”النوباتونز” ليست فرقة مرافقة فحسب بل شريكٌ في خلق هوية صوتية هجينة، عابرة للتقاليد ومخلصة لروحها.
أغاني السارة ليست فقط إعادة أداء لأغانٍ نسوية شعبية، بل هي تحوير دقيق يجعل من التراث أداة احتجاج بوشاح الموسيقى الراقصة التي تُمرَّر قضايا التحرر، وتقاوم النسيان، وتستعيد الأصوت المهمَّشة.
في أعمالها، يمتزج التراث السوداني بالنَفَس الغربي، امتدادا لا تناقضا، وتتماهى حركات الأجساد مع إيقاع الجمل الموسيقية فتمحو كل خطوة الحدود بين الوطن والمهجر فيما تتعالى توليفة من العود، والغيتار، والإيقاعات.
المزيج الموسيقي الذي تقدمه السارة والنوباتونز ليس تجريبا فحسب بل بيان سياسي جمالي، صوتها يخرج من الذاكرة النوبية، من ضفاف النيل، من مخيال بنات القرى وأغاني الهجرة، لكنها تحمله إلى المستقبل، تغنيه بهيئة جديدة، بإيقاع مشحون بموسيقات العالم.
السارة لا تغني فقط، بل تكتب بالرقص، جسدها يقول ما لا تقوله الكلمات. كل التفاتة، كل حركة يد، كل وقفة في المنتصف، هي جزء من حكاية أكبر عن إعادة صياغة الذاكرة.
الوطن حالة شعورية والموسيقى أداة مقاومة
رغم التباين الجمالي بين عرضي “رست” و”السارة والنوباتونز” جمعتهما الرغبة الخفية في النجاة عبر الموسيقى، رَست، بتأملاته الإلكترو طربية، والسارة، بإيقاعاتها النوبيّة الحداثية، كلاهما يسعى لأن يقول شيئًا عن الذات الممزقة.
الفروقات الواضحة في الشكل الفني لم تحل دون تقاطع العرضين في نقاط فلسفية عميقة من بينها أن كليهما يتمثل الوطن حالة شعورية معقدة، مشوبة بالحنين والاغتراب وأنهما يشتغلان على الذاكرة بوصفها أرشيفا ويعيدان تعريف الهوية فعلا يتجدد مع كل تعبيرة.
الموسيقى عند “رَست” كما عند السارة، هي محاولة لرأب هذا التصدع بين الجسد والمكان، الثنائي اللبناني-السوري ينسج من التشظي لحظة تأمل صامتة، بينما السارة تصنع من الحكايات الشخصية سردا جماعيا.
وفي مهرجان الحمامات الدولي تخطى الركح كونه مسرحا للعروض ليتحول إلى ساحة للبوح، للنوستالجيا ذلك الخيط الأشد حضورًا في العرضين حيث بعثت روح أخرى في الماضي عوض البكاء على الأطلال.