الجونة/مصر_حينما طالعني اسم المؤلفة الموسيقية الأردنية سعاد بشناق ضمن لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة في الدورة الثامنة لمهرجان الجونة هبّت إلى ذهني موسيقاها التي تعيد تأليف العالم.
توليفة من النور والظلال، من الشجن والرجاء، من الصمت الذي يغدو نبضا في قلب كل متفرج، تشكل موسيقاها التي تتسرب من بين طبقات الصورة لتمنحها حياة ثانية تعمدها بفيض من المشاعر.
واختيار سعاد بشناق ضمن لجنة التحكيم يرسخ أهمية تمثيل التأليف الموسيقي وأهمية الموسيقى التصويرية في الصناعة السينمائية، ذلك أنها ليست مكملا ولا زينة بل كيان مستقل بذاته.
ومع كل نغمة توجدها بشناق ثمة همسٌ يجيء من مكان بعيد، من ذاكرة مزدوجة بين الشرق والغرب، بين البدايات الأردنية وجغرافيا المهجر الكندية، حيث تنسج المؤلفة الموسيقية عوالمها على تخوم الحنين والاكتشاف.
ومن تزاوج الضفتين، جاء أسلوبها الفريد مزيجا من الحنين والدقّة، من العاطفة والانضباط، فهي لا تتجاهل صوت جذورها، تنغمس فيها وترويها بلغات متعددة لتصوير هوية لا شرقية ولا غربية، بل إنسانية.
هي تعيد كتابة الفيلم موسيقيا لتخلق له هوية تتجاوز حدود اللقطة والمشهد، وتلامس شغاف المتفرّج كما لو كانت ذاكرته فضاء للعزف، موسيقاها لا تشرح الصورة، بل تفتح داخلها مساحات من الصمت والدهشة، وتمنحها أبعادا نفسية موازية.
في فيلم “رحلة 404″، الذي نالت عنه جائزة أفضل موسيقى من جمعية نقاد وكتاب السينما المصرية، تحوّلت الألحان إلى مرآة للتيه الإنساني، تُترجم الحيرة والاغتراب بأصوات تُشبه أنين البحر وارتجاف الريح.
في هذه الرحلة الوجودية كانت الموسيقى بطلا خفيا يحمل عن الشخصيات وزر صمتها وعجزها عن الكلام ويكثف صراعاتها الداخلية والبينية ويمتّن البناء السيكولوجي الحكاية.
ولعلّ في تعدّد جغرافيتها الفنية ما يُفسّر هذا المزاج المركّب في موسيقاها، فهي تحمل في ذاكرتها الموسيقية روح الإيقاع العربي وجوهر الأوركسترا الغربية، وتجيد مزجهما دونما تنافر أو تناقض.
اللحن لغتها التي تخاطب بها العالم، تستعير من الشرق الدفء ومن الغرب الدقة لتنتج لغة موسيقية ثالثة، هجينة وصادقة لا تنصاع لأطر المدارس الموسيقية ولكنها تضفي الكثيرة للهوية الصوتية للأفلام السينمائية ويجعلها مغايرة للسائد ومتمايزة عن غيرها.
وفي فيلم “هوبال” السعودي، على سبيل المثال، لم تكتفِ بوضع موسيقى ترافق الحدث، بل خلقت مناخا داخليا يجعل المتفرّج يسمع ما لا يُقال، ويرى ما يتوارى خلف الصمت.
نغماتها تتسلّل إلى المساحات البيضاء في الصورة، تُحوّلها إلى نبضٍ متواتر، كأنها تُذكّرنا بأن الموسيقى هي الشكل الأصدق للحوار حين يعجز اللسان عن ترجمة المشاعر إلى كلمات.
وفي “جنائن معلقة”، الذي شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، استطاعت أن تلتقط روح الفيلم في تفاصيلها الدقيقة: تناقضات المدينة، وهشاشة العلاقات، وسؤال الذاكرة المعلّقة بين واقعين.
كانت موسيقاها امتدادا بصريا غير مرئي لكنه محسوس، كظلّ يرافق الضوء دون أن يبتلعه أو يحجب وجوده لكنه يعطي أبعادا أخرى تستدعي التأمل والتفكر وتثير أسئلة كثيرة عن هذه الثنائية.
أما في “يونان”، الذي شارك في المسابقة الرسمية لـ مهرجان برلين السينمائي الدولي، فقد ذهبت سعاد بشناق أبعد من الجماليات التقليدية للموسيقى التصويرية لتخلق توتّرًا ميتافيزيقيًا بين الصوت والصمت، يستفز دواخل المتفرج.
موسيقاها هنا تحاكي صرخة مكتومة، تجمع بين الفقد والخلاص، بين الغربة والانتماء، في تماوجٍ يُذكّر بأن الإبداع الفريد يستعصي على الشرح والتفسير وتتفتح على وقعه أبواب الذاكرة والحنين وتقف الإنسانية على طاولة المساءلة.
ولا تكمن خصوصية سعاد بشناق في تنوّع مؤلفاتها الموسيقية وحضورها في منصّات دولية مرموقة فحسب بل أيضا في قدرتها على صناعة ذاكرة سمعية للسينما العربية المعاصرة.
هي تكتب السيناريو بالنوتات وتبني الزمن الدرامي داخل الفيلم وفق إيقاعها الخاص، وتخط سيرةً موسيقية تخصّها وحدها، لكنها تُشبهنا جميعًا: نحن الذين نعيش بين الأصوات والسكوت، وبين الحنين والرحيل.