في فضاء تغمره أسئلة التاريخ وتتشابك فيه ظلال الماضي مع هواجس الحاضر، تجلّت مسرحية “سيدة كركوان”، للثنائي وجدي ڨايدي وحسام الساحلي لتستحضر ماضيا مازال يقارع النسيان والخذلان وتعيد تشييد ملامحه فوق الركح.
“سيدة كركوان” برزخ يختلط فيها الأركيولوجي بالرمزي، والأنثروبولوجي بالدرامي، وما اختيار المدينة البونيقية التي أكلتها نار الغزو الروماني سنة 256 قبل الميلاد، إلا استدعاء لذاكرة جماعية لفها غبار النسيان.
معالم المدينة الأثرية تجاوزت كونها خلفية لأحداث المسرحية وتحولت إلى لغة تلامس الوجدان وتستفز الفكر، فالعرض يعود بنا إلى الحرب البونيقية الأولى، إلى لحظة مفصلية في تاريخ المتوسط حينما هبّ الرومان لتدمير المدينة.
العرض المسرحي لا يقف عند السرد التاريخي للأحداث، بل يحفر في طبقات التاريخ ليجعل من الخراب مادة درامية تعيد للحجارة نبضها وللضحايا أصواتهم، وتعيد كتابة الحكاية.
على إيقاع العنوان “سيدة كركوان ” تتخذ المدينة هيئة أنثى تجسّد الأرض والذاكرة معا، وتحمل في كيانها ملامح الأم والآلهة والعاشقة، في مزيج يجعل منها رمزا للخصوبة وللفناء في الآن ذاته.
“السيدة” تتجاوز بعدها الإنساني إلى الاستعارة فيختزل حضورها المأساة الإنسانية حين تُسلب الشعوب من أرضها وتُسحق هوياتها تحت سنابك الغزاة ويكثف “التاريخ” التراجيديا حينما يتلاعب بالحقيقة.
وعلى الضفة الأخرى المواجهة للتزييف والنسيان، تستلهم السينوغرافيا التي اشتغل عليها الثنائي وجدي ڨايدي وحسام الساحلي من روح الموقع الأثري ؛ كتل حجرية، أعمدة منتصبة، فضاء يوحي بالقدَم، أزياء بونيقية تنهل من المصادر الأيقونية وتُعيد تشكيل الذاكرة البصرية لتلك الحقبة.
الأزياء ليست مجرد زينة، بل هي شهادات صامتة لكنها حية بما يكفي لتُعيد للمسرح قوته الطقوسية فتنطق كل قطعة قماش بحكاية، وتذكر كل زخرفة بالهوية المطموسة.
المكان المسرحي بدا أقرب إلى حقل تنقيب، إذ يتحرك الممثلون كما لو أنهم يحفرون في الذاكرة، يعيدون ترتيب الشظايا ويبعثون الأرواح في الآثار، وأما الضوء كان حليفا للأثر، شحيحا حين يقتضي الأسى، وسخيا حين يعلو صوت المقاومة.
وفيما تحاكي المسرحية الزمن الذي ينهش المدن ويفتح لها، أيضا، بوابات الخلود، يظهر توظيف اللغة الفينيقية من أبرز رهانات العرض، إذ يتحدث الممثلون بلسان مات منذ قرون لكنه ظل حاضرا في عمق الذاكرة المتوسطية.
هذا الاختيار اللغوي ليس محض ترف أو استعراض بل هو تجذر في الهوية واستحضار لروح الغائبين، إذ تتردّد الكلمات الغامضة على الركح كتراتيل، ونداءات تقتحم جدار الزمن لتترسخ في الحاضر.
وتوظيف اللغة الفينيقية خلق حالة انخطاف عند المتفرج، وإن كانت الكلمات غير مفهومة في مجملها وهو ما استدعى إرفاقها بتعريب إلا أنه قد يتخلى عن الكلمات العربية الفصيحة حينما يتغلغل الشعور بوقعها الإيقاعي والروحي.
فالمعنى لا يُختزل في الدلالة اللغوية فقط بل يتجسد في الذبذبة الشعورية التي تحدثها الكلمة حين تتحول إلى طقس، وحين يُترجمها الجسد والحركة والإيماءة ويستعيد المسرح طقسا جماعيا غائبا عن المخيال التونسي.
الممثلون كانوا جسورا بين الماضي والحاضر، بين الموت والحياة واتسم أداؤهم بالحزم حتى تخال أنهم أجساد منحوتة من صخر كركوان، تنطق بحكاياتها وتصرخ وتنوح.
كانت أصواتهم تتهدج بين الغضب والرثاء، وكانت حركاتهم محكومة بإيقاع جمعي يوحي أحيانا بالاستعداد للحرب وأحيانا أخرى بالاستسلام لقدر محتوم.
ومع تدفق الحكي، يحاكي الركح موكبا جنائزيا تتداخل فيه الأصوات ويقطع السكون النحيب وتنحني الأجساد وتنتصب كما لو أنها تحمل رفات المدينة.
وفيما تقاتل المدينة بكل عناصرها مصرة على البقاء في الذاكرة، ومتحدية الانمحاء، لا يكتفي عرض “سيدة كركوان” بالحفر في عمق الماضي بل يقرأ الراهن من خلال التاريخ.
والغزو الروماني وخراب المدينة لا يخلو من تلميح للحاضر المهدد بالحروب والانقسامات والاحتلال فكركوان استعارة لكل مدينة تواجه الغزاة والمحتلين في العالم المعاصر.
وبينما تتجلى كركوان كالعنقاء تتهاطل التساؤلات عن كيفية الحفاظ على الذاكرة ومقاومة المحو الثقافي وصون هويتنا في زمن تتقاذفه العولمة والاستلاب؟
وما يحسب لـ “سيدة كركوان” أنها تعيد الاعتبار لخطّ المسرح التاريخي دون أن يسقط صانعو العرض في فخ التوثيق الجاف أو المحاكاة الباردة، بل إنهم جعلوا من التاريخ لسانا حيا بنطق حروف الأمس بروح اليوم.
العمل نأى بنفسه عن المنطقة المتحجرة من الأثر ليتحول إلى طاقة فنية مسكونة بالأسئلة ويحقق معادلة صعبة تجمع بين الوفاء للبحث التاريخي (الأزياء واللغة والفضاء) والشعرية والرمزية التي تخاطب وجدان المعاصر.
والركح تحول إلى أرشيف حي تتداخل فيه الحجارة مع الأجساد، وتذوب فيه اللغة المنسية في نحيب الأمهات وصراخ المحاربين، في طقس جماعي يتيح لنا امتلاك الماضي.
وبين الأطلال التي استعادت صوتها، وبين الأجساد التي روت حكاية الصمود والخذلان، تشهد “سيدة كركوان” على أن المسرح، في جوهره، فعل مقاومة مضادد للنسيان والخذلان.
حسام الساحلي ومنجي اللملومي وخولة بنور اخراج حسام الساحلي ووجدي القايدي بحوث علمية خولة بنور امين الخماسي ملابس تاريخية شادية الطرودي سينوغرافيا عبد الكريم ضيف الله اكسسوار و ديكور منجي اللملومي اضاءة رضوان العجرودي وصابر الهميسي توزيع موسيقي وهندسة الصوت وضاح العوني تلحين الاغاني مريم العريض مساعدي الاخراج منجي اللملومي وأمين المجدوبي مساعد انتاج راضية العريضي قيافة عبد السلام الجمل تلبيس خلود عجلاني توضيب انتاج كريم سعود ادارة انتاج وجدي القايدي أداء : مريم العريّض - منتصر بزّاز - عزيز بوسلام - نور عوينات - ديمة الساحلي- صدقي باني- حسناء غنّام - فيروز بو علي - معز بن طالب - فوزي بن حفصة - فوزي بن إبراهيم - عماد زهراوي - نور سعيد طعم الله - عرفات الزواري - آدم عتروس - خيري بن إبراهيم - كمال شوشان - فرج بن عطية - حبيب الله باشا - محمد بن توهامي - إيهاب مراد - عزيز بن تمر - سحر سود - عاطف جعفر