غادر ليلة البارحة جمهور الدورة العاشرة للمهرجان الصيفي مرايا الفنون بالقلعة الكبرى فضاء مسرح الهواء الطلق بدار الثقافة وفي نفسه نوع من الحسرة والأسف، ذلك أن الوقت في حضرة الفنان والعازف المبدع سيف الدين معيوف انقضى بسرعة السهم ولم يكن كافيا لإرضاء شغفهم بما قدمه ابن القلعة الكبرى من أغان ومعزوفات كشفت الموهبة الكبيرة التي يتمتع بها.
خلال هذا العرض الذي دام لأكثر من ساعتين فجّر سيف الدين معيوف صحبة مجموعة من العازفين الأكفّاء، طاقاته وامكانياته المتفرّدة عزفا وآداء عبر تقديم باقة من بين انتاجاته الخاصة كـ “عروسة محلاها” و”شعّلت شمع صوابعي نضوّيلك” و”صلّوا صلّوا” وكذلك “مازال عندي في غرامك قول” و”للصحراء اشتقنا بزيارة” و”إما خافي وانسي الطّلة”، وهي أغان تم تصويرها جميعا في شكل كليبات. هذا فضلا عن العديد من الأغاني الأخرى الخاصة كـ “نشوفك ملّي نْحِل عيوني” وأخرى مستوحاة من التراث الوطني كـ”وردة وياسمينة” ساهم تناغمه الكبير مع أعضاء الفرقة المتكونة من هشام مزقو (باتري) وبسام سائحي (طبلة) وأيمن بحروني (بندير) وهشام المجدوب (عود) ومحمد نجيم (أورغ) في آدائها بشكل اضفى عليها طابعا فنيا خاصا.
ولعلّ ما يحسب لهذا الفنان وأستاذ الموسيقى المتحصل على الدكتوراه في العلوم الموسيقية من المعهد العالي للموسيقى بتونس براعته في إعطاء نفس جديد وروح خاصة للعديد من الأغاني المنتقاة من الموروث الوطني في مختلف الجهات كـ “ناقوس تكلم” و”لسود مقروني” و”ريت النجمة” و”علاش دلالة”. فهو قد عمل على محاكاة كل الأنماط الموسيقية الموجودة في تونس من أنماط قصبة وزكرة ومزود وسطمبالي وحضرة ومالوف وغيرها. امّا من الموروث القلعي فكانت أغنية “وعلى محمّد” المُوزّعة بطريقة متميّزة، هدية افتتاح هذا العرض الذي كان بعنوان “Targ’in” والذي ضم لوحات كوريغرافية جميلة، من آداء أحلام هميلة وياسين قاسمي، لفتت انتباه الحاضرين الذين وفدوا بأعداد كبيرة ملأت كامل أرجاء فضاء مسرح الهواء الطلق. كما لم يخف معيوف شغفه واهتمامه بالمرأة من خلال أغنيته التي كانت بعنوان “الدنيا هذه عالمرا مبنية” وهي أغنية لحّنها عن كلمات لحنان العلوي.
كما نجح سيف الدين معيوف، أحد أبرز عازفي آلة الساكسفون في تونس هذا فضلا عن إتقانه العزف على أكثر من 24 آلة موسيقية من مختلف الأنماط، في شد انتباه الجمهور عبر قدرته الفائقة على المراوحة بين العزف والغناء في آن واحد وبطريقة مسترسلة تكشف مدى العمل الجبار الذي يقوم به من أجل تحقيق هذا التميز لا في تونس فحسب بل أيضا على المستوى الدولي.
وتجدر الإشارة إلى أن سيف الدين معيوف الذي كانت له بعض الجولات في المهرجانات الصيفية هذه السنة كمهرجان “سيدي بومنديل بهرقلة” وغيرها كان قد قدم عرضه “Targ’in” في صيغ متنوّعة يتغير من خلالها عدد العازفين من 17 عنصرا الى ثلاث عازفين ثم بطريقة المغني والعازف متعدد الاختصاصات، حيث يقوم بالعزف والغناء بشكل فردي مستعينا بقدراته التقنية على عزف العديد من الآلات والغناء في الألوان الموسيقية التونسية المتعددة في آن واحد.
وللتذكير، تتواصل فعاليات “المهرجان الصيفي مرايا الفنون” الذي تنظمه جمعية إشراق للثقافة والفنون بالتعاون مع دار الثقافة بالقلعة الكبرى وبدعم من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بسوسة ووزارة الإشراف إلى غاية 24 من الشهر الجاري مع عرض ختمي للفنانة سنية بن عبد الله. كما ستنتظم ضمن هذه الدورة العاشرة ندوة علمية يوم غد السبت 23 أوت بعنوان “التعبير الفني في الفضاء العمومي والسياسات الثقافية: أية علاقة؟”، بمشاركة عدد من المثقفين والأساتذة الجامعيين المختصين في المجال الفني من ذلك وزيرة الشؤون الثقافية السابقة سنية مبارك، والأساتذة أحمد خواجة، منذر مطيبع، فاتح بن عامر، والباحثة الفلسطينية في علم الاجتماع ميسر عطياني. وستدير هذه الندوة الدكتورة والفنانة التشكيلية ربيعة بلطيفة التي تشارك في المعرض الفني الذي يقام داخل فضاء دار الثقافة على هامش هذا المهرجان صحبة الفنانين علي الزنايدي وإيمان بلحاج و مروان العلان (فلسطين).
محمد علي الصغير