الأحد الثالث من شهر أوت، تاريخ يتخطى حدود الروزنامة ليوغل في ذاكرات أنهكها الواقع والحرب وكذبة حقوق الإنسان على تخوم التجويع والتقتيل في غزة التي تقاوم وحدها نيابة عن الكل.
أطياف الاكتئاب تحوم في غرفتي التي تتخلص من حيطانها كلما استسلمت لمتاهة التفكير في الدماء التي خضبت الثرى في غزة والصرخات التي غادرت ضلوعا أنهكها الجوع ولكنها اصطدمت بخنوع مريب.
فيما تتسرب السوداوية من صور الغزاويين الذين يئنون تحت وطأة عدوان ما انفك يتخذ وجوها أكثر وحشية فيما يحاول الضمير العربي التقاط أنفاسه من وسط ركام الوعود الواهية، تتسلل مشاهد “شانتال غويا” على ركح مهرجان قرطاج الدولي وتربّت على روحي بلطف وتهمس من وراء شاشة هاتفي ” هل تذكرينك حينما كنت طفلة؟”
مع ملامح الفنانة الفرنسية التي خطت فصولا من طفولة أجيال مختلفة تلاشى ذلك الازدراء للتكنولوجيا الحديثة وما يقترن بها من إفساد لشاعرية لحظات بعينها وعوضته ابتسامة تترسخ مع كل فيديو جديد لها.
“شانتال غويّا” التي تجاوزت عقدها الثامن بثلاث سنوات وقفت محملة بكل سنين العمر وضحكات الأطفال ومسارات الخيال، وبدت كأنها ملاك ينفض الغبار عن حكايات قديمة، ويغنيها مجددا فتصدح بكل عذوبة الطفولة ودهشتها.
50 سنة من الحب تجلت في عرضها ” على الطريق المسحور” وتجاوزت فكرة الاحتفاء بمسيرة فنية ممتدة، لتصبح فسحة لاستحضار الذاكرة ويتعدى الغرض الخشبة ويعيش في مفاصل الجمهور الذي يقتنص لحظة صفاء طفولي.
العرض لا يستجدي الدهشة بل يصنعها من موسيقى تُشبه دقات القلب في أول مواجهة مع الحياة، شخصيات خيالية خرجت من قصص الطفولة لتزين لوحات كوريغرافية، وتتجلى فيه غويا التي لا تخشى الزمن، بل تصادقه، وتُشركه في عرضها كما تُشرك الأطفال الذين يحيطون بها.
الطفولة في عروضها ليست محتوى عابرا بل موقف ثابت في وجه تقلبات الزمن لتتجاوز الترفيه وتشكل تجربة نفسية وجمالية مكتملة، يتشابك فيها المسرحي مع الموسيقي، ويتجاور فيه الغنائي والرمزي، في مشهدية تحيل إلى أن الطفولة ليست عمرا فحسب بل سحر كامن في كل إنسان له القدرة على أن يعيد ترتيب العالم بألوان أكثر إبهارا.
وحينما تتحول الطفولة إلى أرض مسرحية لا حاجة لنصوص فلسفية عميقة قبالة خيال لا يخون، الخيال نفسه الذي تذوي معه آلام ظهر مبرحة لا تغادرني منذ ثلاثة أيام ولكنها فعلت حينما تسلل صوت غويا إلى روحي.
السينوغرافيا والأزياء والموسيقى الناعمة والنفحات الطفولية لن تدع لك مجالا لتتبع بنية درامية كلاسيكية ولكنك سترتطم بفصول مارقة عن الزمان والمكان تتجلى فيها طقوس وشخصيات من مسيرتها الممتدة في الطفولة.
توليفة تحاكي الفسيفساء تراءت في مسرح قرطاج الأثري وتسربت من بين تفاصيلها طاقة حب جياشة ؛ حب الوجود وحب الحكايات وحب التفاصيل الصغيرة التي أدهشتنا حينما كنا أطفالا، ثم تناسينا كيف نراها حينما كبرنا.
عندما تتحرّك شانتال على الركح، بين شخصياتها التي غابت عنها باندي باندا بعد أن ضاع زيها مؤخرا، لا تبدو غريبة عنها ويتلبس الواقع بالخيال وهي تنثر الحكايات تباعا وتستنطق الطفل الكامن في كل إنسان.
وحتى في حال عدم معرفتك بشانتال غويا التي نسجت من التجارب ما يليق بروحها التواقة للفن والمنعتقة من كل القيود وعلى رأسها قيد الزمن، لن تقدر على تجاهل المفارقة العاطفية المربكة التي يخلقها حضورها الجسدي.
امرأة في الثالثة والثمانين، بحضور يستمد حيويته من الأطفال الذين التقتهم على امتداد العالم ومن الدمى التي بعثت فيها الحياة على طيلة مسيرتها، لا تُنكر الزمن، بل تتحدّاه ولا تبحث عن استعادة مرحلة عمرية ماضية بل تخلد طفولتها حينما تستدعي الغناء والخيال.
في لحظات كثيرة، يبدو حضورها المسرحي أقرب إلى طيفٍ حيّ، يجيد مغازلة شخصيات خيالية ويحادث أطياف ذاكرة كل من ينغمس مع تفاصيلها فهي لا تُخاطب فقط أطفال اليوم، بل أيضا أطفال الأمس الذين كبروا، وارتدوا وجوها جادة، ونسوا كيف يندهشون.
“على الطريق المسحور” بثت شنتال غويا طاقتها فتحولي مسرح قرطاج الأثري إلى صندوق موسيقي عملاق، يعيد كل تفصيل فيه تشكيل الذاكرة الجماعية للجمهور على إيقاع رقصات تعدى فيها الاستعراض إبهار العين إلى تحفيز المخيلة.
الملابس لم تكن من قبيل البهرج بل استعادة لنصوص بصرية محفورة في طفولة كاملة، وأما الموسيقى، فكانت أقرب إلى تراتيل صغيرة، تلتقطها الروح قبل أن يُردّدها اللسان، في عرض يُراهن على البساطة بكل ما تحمله من عمق.
والأغاني البسيطة التي رسخت في ذاكرة أطفال كثر أوجدها الكاتب جان-جاك دوبو زوجها وحارس أثرها الفني الذي صاغ مشترك أجيال وكانت كلماته تساير الهمسات والقهقهات والللمسات والذكريات.
عرض شانتال غويّا لا يخضع لمنطق المنافسة أو سباق العروض بل هو لحظة من العذوبة المطلقة، يقتنصها الأطفال وكلّ من قرر أن يتخلى عن قسوته وجديته لبعض الوقت ويمنح نفسه الحقّ في أن يكون هشًّا، أن يضحك بصوت عال، أن يُغني مع الدمى، ويُصفّق لإمرأة لا تخاف من الزمن؛ شانتال غويّا التي أعادتنا إلى الطفولة.