في فيلمه الروائي الطويل “شكوى رقم 713317” الذي عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ضمن مسابقة آفاق السينما العربية، ينسج المخرج ياسر شفيعي حكاية تتعلق، في ظاهرها، بقصة عرضية لا تتجاوز عطلاً يصيب ثلاجة زوجين متقاعدين يعيشان حياة هادئة في حي المعادي.
لكن خلف هذا العطل الذي يُفترض أن يحلّه اتصال هاتفي واحد، تتوالد سيول من الأسئلة والاختلالات والخيبات، كأنّ الفيلم يضع أصبعه على منطقة هشّة في حياتنا اليومية، تلك المنطقة التي تتسع فيها التفاصيل الصغيرة لتحاكي الفخاخ وتتحوّل فيها الشكوى البسيطة إلى مناجاة أرواح منهكة.
وفي فيلمه يستند شفيعي إلى ديكور واحد وهو شقة “مجدي” (محمود حميدة) و”سما” (شيرين)، الزوجين اللذين تقودهما الثلاجة المعطوبة إلى متاهة بيروقراطية مع شركة صيانة غامضة.
وقرار المخرج بالبقاء داخل هذا الفضاء الضيق ليس تفصيلا إنتاجييا بل خيارٌ دلالي واضح، يخلق حالة من الرتابة المقصودة التي تتماهى مع طبيعة الشكوى، ومع بطء الزمن لدى شخصين يعيشان على إيقاع ما بعد التقاعد.
الجدران، والنوافذ، وحركة الضوء الخافت، وأصوات الأجهزة المنزلية، كلها تتحوّل إلى عناصر تراقب تصدّعا خفيا يمور تحت السطح، فيما يقاوم الثنائي مجدي وسما، صورة لثنائية تُقاوم الصمت أكثر مما تُقاوم الزمن.
وبينما يبدو مجدي، بصوته الواثق الذي يحاول السيطرة على الفوضى، مشدودًا إلى فكرة النظام: كل شيء يجب أن يسير وفق دفاتر رسمية، وأوراق، ومواعيد، تميل سما إلى الرقة المتوترة وسط خشية مستمرة من أن تتحوّل المشكلة الصغيرة إلى كرة ثلج.
ومن بين تجاويف المحاولات المستمرة لإبقاء العالم الخارجي عند عتبة الباب، خوفًا من أن يفترس ما تبقى من استقرار الزوجين، تتسلل الشكوى عدد 713317 لتفرض إيقاعا مغايرا وتعيد صياغة علاقتهما من جديد.
ورغم أنّ الفيلم يبدو، ظاهريا، عن شركة صيانة ومواعيد مؤجلة وموظفين متملّصين، إلا أن جوهره أعمق بكثير، لتحاكي البيروقراطية هنا الاستعارة وتكشف كل خطوة متعثرة في رحلة إصلاح الثلاجة صدعا آخر في العلاقة الزوجية.
وبينما تتفاقم الأحداث، تنكشف هشاشة لا يعترفان بها ويحيل عطب الثلاجة إلى عطوب داخلية مسرفة الهدوء هي نتاج تراكم للملل، واختلاف طرق التعامل مع الخسارات الصغيرة، وعبء السنوات التي مرّت دون أن يلتفتا إلى ما آل إليه العالم من حولهما.
وهذه المشاعر المتوترة كثفها الأداء التمثيلي إذ منح محمود حميدة، بحضوره الحاد، “مجدي” صلابة ظاهرية ونبرة قيادية تخفي خوفا دفينا من فقدان السيطرة، وفي المقابل، تقدّم شيرين أداءً يمزج بين الضجر والحنان، بين القلق والسعي لتطويق الأزمة قبل أن تتحوّل إلى انهيار شامل.
والثنائي يلتقي في تضادّ لطيف، تتولد عنه لحظات صمت مفعمة بالبوح ويشكل بقية المشاركين في الحكاية من إنعام سالوسة وهنا شيحة وجهاد حسام الدين وتامر نبيل ومحمد رضوان وعلي الطيب حلقات متشابكة تُغذّي هذا المتن الدرامي.
عبر الهاتف أو في زيارات خاطفة، تظهر بقية الشخصيات لتجسد الوجه الآخر للأزمة على أعتاب عالم خارجي غالبا لا يسمع وإن سمع لا يستجيب بما ينبغي، وكلها محفوفة بجرعة من العبث الذي يختزل العلاقات بين الأفراد والمنظومات.
وفيما تتحوّل الشكوى إلى متاهة رقمية، وعدد طويل بلا معنى، ودائرة مغلقة لا أحد يعرف أين تبدأ وأين تنتهي، تترسخ فكرة الانفصال عن العالم الخارجي شيئا فشيئا وتوغل الكاميرا أكثر فأكثر داخل الشقة ولا تتراءى المدينة إلا من خلف باب مغلق، ولا تُسمع إلا عبر أصوات بعيدة تتسلل من النافذة، كأن الزوجين محاصران داخل فضاء يبتلعهما تدريجيا.
وقرار التصوير في فضاء مغلق يتقاطع مع بناء المشاهد، التي تتسم بإيقاع متعمد البطء، يراقب تفاصيل الحركة اليومية المتكررة وكأنه يبحث عن المعنى في تفاصيل تبدو تافهة، لكنها في الواقع قادرة على توليد الانهيارات الكبرى.
ورغم أن الفيلم يتحرك في منطقة رمزية واضحة، إلا أنه لا يغرق في التجريد، بل يمزج بين الواقعيّ واليوميّ والإنسانيّ وتعري مشكلة الثلاجة مشاكل النفوس وتسبر علاقة تقف على حافة التعب.
ولما ارتفع صوت “مجدي” وتوترت ملامح سما، تجلى أن الاضطراب ليس وليد اللحظة، بل نتيجة سنوات طويلة من المساومات الصامتة التي يتيحها الزواج الطويل بينما يواصل الضوء انسيابيته على أطراف البيت بخفوت وكأنه يرفض الولوج إليها بالكامل.
ومن هذه الزاوية يبدو البيت مثقلا بذاكرة يسد كل المنافذ إليها ويضيق المجال البصري على إيقاع اللقطات المتوسطة والقريبة ويتعاظم إحساس العزلة، حتى حين يكون الزوجان معا في الصورة.
أما الموسيقى، فلا تظهر إلا في لحظات قليلة تاركة المجال لطبقات الصمت وأصوات الحياة المنزلية، وهذا الصمت يتجاوز العنصر الجمالي إلى كونه جزءا من الحكاية ومن الاتساع الخفي لما لم يقله الزوجان طوال سنوات.
في كل تفاصيله يمنح الفيلم المشاهد فرصة ليختبر الشعور ذاته : ثقل الانتظار، وضبابية الزمن، وحشرجة القلق التي تتبختر في الصدور حتى تأتي النهاية غير صاخبة لكنها محملة بالرمزيات.
بعض المشاكل غير قابلة للحل وبعض الخيبات تخلف انكسارات تأبى الترميم، يخبرنا الفيلم الذي يوغل في دواخل الإنسان عبر عطب الثلاجة ويختبر الزمن على أعتاب البيروقراطية ويهز طبقات الصمت التي تتراكم وتحاصر ما تبقّى من الطمأنينة.
وهذا الفيلم يفكك الحياة اليومية ويتلاعب بالتفاصيل الصغيرة التي نحاول الهروب منها، لكنه يعيدها إلينا مكبّرة، واضحة، وبلا مساحيق تجميل ويجعلنا في مواجهة كل تلك الشكاوى التي ظلت طريقها إلى الحلول.