منذ سنوات لم تعد أخبار جرائم القتل المروّعة أو حوادث اغتصاب الأطفال، أو “البراكاجات” الدموية آناء الليل وأطراف النهار تمثّل أحداثا معزولة تمر عابرة في نشرات الأخبار.
بل ثمّة مزاج عام يوحي بأن منسوب العنف والجريمة في تونس في تصاعد، وأن المجتمع يواجه موجة مركّبة من الجرائم الصادمة التي تمسّ الفئات الأضعف، وفي مقدّمتها الأطفال.
هذا المزاج ، سواء عزّزته الأرقام الرسمية أو غذّته مواقع التواصل الاجتماعي بتداولها المكثّف، تحوّل إلى حالة من القلق الجماعي، وأعاد إلى الواجهة جدلا قديما متجدّدا بخصوص تفعيل عقوبة الإعدام.
جرائم تهز الوجدان
قضايا الاغتصاب، وخاصة اغتصاب الأطفال، كانت الأكثر إثارة للغضب الشعبي فكلّ قضية تبوح بتفاصيلها، تترك أثرا عميقا في الوعي الجماعي.
كما عرفت تونس جرائم قتل بشعة، بعضها ارتبط بخلافات عائلية أو اجتماعية، وبعضها الآخر جاء في سياق اعتداءات عشوائية أو بدافع السرقة فالسلب لم يعد مقرونا بالتهديد فحسب، بل صار ينتهي بالقتل.
في مثل هذه الوقائع، تتأجج مشاعر الغضب والخوف معا، خوف من حالة الانفلات، وغضبٌ من العجز المفترض للدولة عن الردع.
وقد حاولت رياليتي أون لاين رصد بعض أكثر جرائم القتل والاغتصاب فظاعة ولعل آخرها حادث اغتصاب طفل ذي ثلاث سنوات في روضة كان من المفترض أن تكون ميناء أمان.
ومن الجرائم البشعة التي استهدفت الأطفال ولا تغيب عن البال قضية قتل الطفل ياسين ذي السنوات الأربع بعد اغتصابه في ماي 2016 في الملاسين (العاصمة) وقضية قتل الطفلة زينب الطرخاني في العمران الأعلى أول أيام رمضان الماضي، بالإضافة إلى قضية قتل هارون الذيبي في القصرين في الشهر نفسه والسنة نفسها.
وتتواتر الفظائع في السنوات الأخيرة وتبدو ملابسات الجرائم وكأنها مشاهد من أفلام لا يصدقها العقل خاصة تلك التي يكون فيها الأبناء قتلة أوليائهم، من ذلك الجريمة التي اهتزت لها المنيهلة في فيفري 2024 حيث قتل ابن والدته وقطع يدها، وفي منزل النور (المنستير) قتل آخر والدته وأحال شقيقه إلى الإنعاش في مارس 2024، وفي نوفمبر 2024 أقدمت فتاة على قتل والدتها طعنا بسكين في منطقة العالية (بنزرت)، وفي أكتوبر 2024 قتل شاب يعاني من اضطرابات نفسية (فر من الرازي) والدته في منطقة رواد (أريانة).
وفي سجل الجرائم البشعة تحضر جريمتا قتل تشتركان في أن المنفذ هو “رب العائلة” إذ شهدت منطقة زانوش (قفصة) حادثة مروعة في جانفي 2025 ذبح فيها الزوج زوجته وابنه البالغ من العمر أربع سنوات، وفي أوت من نفس السنة قتل آخر زوجته وابنته في السيجومي (العاصمة).
ومن بين الجرائم المأساوية التي تطفو إلى السطح كل مرة، جريمة “عين زغوان” التي جدت في سبتمبر 2020 وراحت ضحيتها الشابة رحمة لحمر.
وهذه الجريمة التي شهدت اغتصابا وسرقة وقتلا وتنكيلا بجثّة الضحية تتقاطع مع جريمة أخرى جدت في المهدية في نوفمبر 2024، ضحيتها ستينية وجدت جثتها ملقاة في محطة القطار بعد اغتصابها وقتلها من قبل مدمن مخدرات.
ولا يمكن الحديث عن جرائم القتل دون التعريج على “البراكاجات الدموية” من ذلك البراكاج الذي أودى بحياة سائق تاكسي في القيروان مطلع السنة الحالية، وعملية السلب المسلحة في محطة بئر الباي (بن عروس) التي راحت ضحيتها فتاة في مقتبل العمر في أفريل 2022.
ومن بين الحوادث الأليمة التي لا تغادر الذاكرة جريمة صفاقس التي جدت في جوان 2023 والتي قتل فيها زوجان وابنتهما ذبحا، وجريمة بوسالم (جندوبة)التي حدثت في جوان 2025 والتي قتل فيها طليق طليقته طعنا وحرقا، وجريمة الزهراء (بن عروس) التي حصلت في جانفي 2023 وقتل فيها تونسي جاره الجزائري ودفنه في المطبخ لأنه ماطل في خلاص الكراء، وجريمة شارع مدريد (العاصمة) التي تم فيها العثور على جثة فتاة ملقاة في القمامة وعليها آثار طعنات.
العقوبات الجزائية في جرائم القتل والاغتصاب
ولأن جرائم القتل والاغتصاب خطيرة سواء في طرق تنفيذها او أثرها على المجتمع فإن المشرع التونسي خصها بفصول في المجلة الجزائية وعقوبات تصل حد الإعدام.
وينص الفصل 201 من المجلة الجزائية على أنه “يعاقب بالقتل الإنسان الذي يرتكب عمدا مع سابقية القصد قتل نفس بأية وسيلة كانت”.
وينص الفصل 202 على أن “جريمة القتل مع سابقية القصد وهي النية الواقعة قبل مباشرة الاعتداء على ذات الغير”، وأما الفصل 203 فينص على أن “قتل القريب يعاقب مرتكبه بالقتل.والمقصود بقتل القريب هو قتل الوالد أو الوالدة أو غيرهما ممن هو فوقهما من الوالدين.”
وجاء في الفصل 204 (نقح بالقانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري (1989)) أنه “ويعاقب قاتل النفس عمدا بالقتل إذا كان وقوع قتل النفس إثر ارتكابه جريمة أخرى أو كان مصاحبا لها أو كانت إثره وكانت تلك الجريمة موجهة للعقاب بالسجن أو كان القصد من قتل النفس الاستعداد لإيقاع تلك الجريمة أو تسهيل إيقاعها أو للتوصل لفرار أو لعدم عقاب فاعليها أو مشاركيهم.”
بينما ينص الفصل 205 (نقح بالقانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري (1989)) على أنه “يعاقب مرتكب قتل النفس عمدا بالسجن بقية العمر في غير الصور المقررة بالفصول المتقدمة.”، والفصل 206 على أنه “يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام الإنسان الذي يعين قصدا غيره على قتل نفسه بنفسه.”
وتضمن الباب الثالث من القانون الأساسي عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الفصل 15 والذي يلغي عددا من فصول المجلة الجزائية على غرار الفصل 227 والفصل 227 مكرر وتعويضها بفصول جديدة العقوبات في قضايا الاغتصاب.
و”يعد اغتصابا كل فعل يؤدي إلى إيلاج جنسي مهما كانت طبيعته والوسيلة المستعملة ضد أنثى أو ذكر بدون رضاه. ويعاقب مرتكب جريمة الاغتصاب بالسجن مدة عشرين عاما. ويعتبر الرضا مفقودا إذا كان سن الضحية دون الـسادسة عشر عاما كاملة”، وفق الفصل 227 جديد.
وجاء في الفصل 227 مكرر (جديد) أنه ” يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام كل من تعمّد الاتصال جنسيا بطفل ذكرا كان أو أنثى برضاه سنّه فوق السادسة عشر عاما كاملة ودون الثامنة عشر عاما كاملة.
ويكون العقاب مضاعفا إذا كان الفاعل معلّم الضحية أو من خدمتها أو من أطبائها، إذا كانت للفاعل سلطة على الضحية أو استغل نفوذ وظيفه، إذا ارتكبت الجريمة مجموعة من الأشخاص بصفة فاعلين أصليين أو مشاركين،
إذا كانت الضحية في حالة استضعاف مرتبطة بتقدم السن أو بمرض خطير أو بالحمل أو بالقصور الذهني أو البدنيّ التي تضعف قدرتها على التصدي للمعتدي. ”
والمحاولة، أيضا، موجبة للعقاب وعند ارتكاب الجريمة من قبل طفل تطبق المحكمة أحكام الفصل 59 من مجلة حماية الطفل.
الإعدام… مطلب متجدّد
كلّما برزت جريمة اغتصاب طفل أو قتل بشع، تعود الدعوات إلى تفعيل حكم الإعدام بقوة وتتصدّر الوسوم المطالِبة بـ”الإعدام” المشهد الرقمي، ويتحوّل القصاص إلى مطلب يُقدَّم باعتباره الحلّ الرادع والحاسم.
قانونيا، الإعدام ما زال قائما في التشريع التونسي، ويشمل جرائم القتل العمد وبعض الجرائم الخطيرة، بما فيها بعض حالات الاغتصاب المقترن بظروف مشددة.
وهنا يكمن جوهر الإشكال فالحكم موجود، لكن التنفيذ متوقف، وهذا الوضع الهجين يفتح الباب لتأويلات متباينة بين من يعتبره احتراما للالتزامات الحقوقية الدولية، ومن يراه تردّدا سياسيا أمام جرائم لا تحتمل التهاون.
وقد صدرت خلال السنوات الماضية أحكام بالإعدام في عدد من القضايا، خاصة تلك المتعلقة بقضايا القتل أو بجرائم إرهابية.
غير أن تونس تعتمد، منذ أوائل التسعينات وقفا غير معلن لتنفيذ هذه العقوبة، فلم تُنفّذ أي عملية إعدام منذ سنة 1991 ولعل آخر أحكام الإعدام الصادرة في قضايا ذات صبغة إرهابية هي المتعلقة بقضية الشهيد شكري بلعيد، إذ قضت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس العاصمة بالإعدام شنقا بحق كل من محمد العوادي، المسؤول عن الجناح العسكري لتنظيم “أنصار الشريعة” المحظور في تونس، وعز الدين عبد اللاوي، وهو عنصر أمني سابق تم عزله من منصبه.
كما أصدرت الدائرة الجنائيّة الخامسة المختصة في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، حكما بالإعدام لثمانية متهمين في قضية الشهيد، محمد البراهمي.
وشملت أحكام الإعدام أيضا عناصر في كتيبة أجناد الخلافة الارهابي وداعش الإرهابي وغيرها من التنظيمات الإرهابية في قضايا مختلفة روحت بين صناعة الاحزمة الناسفة والمشاركة في عمليات إرهابية.
وأما في ما يتعلق بقضايا الحق العام، فقد أصدر القضاء أحكام إعدام كثيرة من بينها حكم بالإعدام شنقا حتى الموت في حق شاب قتل زميله في العمل بسبب خلافات بينهما قضت به الدائرة الجنائية بالمحكمة الإبتدائية بتونس
وقضت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس بالاعدام في حق كهل حول وجهة فتاة ثم اغتصابها وقتلها وسرق اموالها وهاتفها الجوال وتحصن بالفرار .
كما أصدرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بالمنستير الإعدام ضد حارس محطة تطهير بالمنستير.
بين المبدأ والواقع… في تنافر موقف رئيس الجمهورية والموقف الحقوقي
تتبنى المنظمات الحقوقية، في تونس وخارجها، موقفا مبدئيا مناهضا لعقوبة الإعدام، باعتبارها عقوبة قاسية ولا رجعة فيها، وتمثل انتهاكا للحق في الحياة.
وتستند هذه المنظمات إلى تجارب دولية تُظهر أن الإعدام لا يشكّل بالضرورة رادعا فعّالا للجريمة، وأن العدالة قد تخطئ، وأي خطأ في حكم بالإعدام غير قابل للتصحيح.
كما تؤكد هذه الجهات أن الردّ على العنف لا يكون بعنف مؤسساتي، بل بإصلاح المنظومة القضائية، وتسريع المحاكمات، وتحسين ظروف السجون، وتعزيز سياسات الوقاية الاجتماعية.
لكن هذا الخطاب الحقوقي يواجه صعوبة في إقناع جزء واسع من الرأي العام، خاصة في لحظات الانفعال الجماعي عقب الجرائم الصادمة.
وفيما يبدو للبعض أن الدفاع عن إلغاء الإعدام يتجاهل معاناة الضحايا وأسرهم، أو يقدّم “حقوق الجناة” على حساب “حقوق الضحايا”، لا يخفي رئيس الجمهورية قيس سعيّد موقفه الذي يميل إلى الإبقاء على عقوبة الإعدام، معتبرًا أنها موجودة في القانون، وأن القضاء هو المخوّل لتطبيقها.
وعاد موقف رئيس الجمهورية إلى الواجهة إثر تصريح رئيس الدائرة الجناحية لدى محكمة الاستئناف بتونس القاضي معز بالسعيدي، على ديوان أف أم، إذ قال إن “رئيس الجمهورية أكد تنفيذ عقوبة الإعدام بخصوص الجرائم التي تمس الأمن العام للبلاد و الجرائم الإرهابية بصفة عامة وكان حرصه شديدا”.
ويشار إلى أن رئيس الجمهورية قد أعلن صراحة في اجتماع مجلس الأمن القومي بتاريخ 28 سبتمبر 2020، ميله إلى تنفيذ حكم الإعدام في قضايا بعينها.
وتطرق رئيس الجمهورية، في هذا المجلس “إلى ارتفاع منسوب الجريمة في تونس مشددا على وجوب التصدي بحزم لهذه الجرائم النكراء وتطبيق القانون على كل المجرمين.”
و”ثمن الجهود التي يقوم بها رجال الأمن داعيا إياهم إلى مضاعفتها حتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم في إشارة إلى اغتصاب فتاة وقتلها، كما أعرب عن ثقته في قدرتهم على إيقاف هذا النزيف.”
وأعلن “أن مرتكبي مثل هذه الجرائم الشنيعة لن يتمتع مستقبلا بالسراح الشرطي ولا بالتقليص من العقوبة المحكوم بها عليه، مبينا أن منح العفو يكون لمن يستحقه. وأضاف في هذا السياق أن النص واضح بهذا الخصوص فمن قتل نفسا بغير حق جزاؤه الإعدام، خاصة بالنسبة إلى من يكررون ارتكابهم لمثل هذه الجرائم، مبينا أنه سيتم توفير محاكمة عادلة لمرتكبي هذه الجرائم وتمكينهم من حق الدفاع.”
وهذا الموقف يجد صداه لدى شريحة من التونسيين الذين يرون في تفعيل الإعدام رسالة حزم، واستعادة لهيبة الدولة.
في المقابل، يثير قلق المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يخشون من تحوّل الظرف الاستثنائي إلى قاعدة، ومن أن تُستعمل العقوبة القصوى في سياقات قد لا تتوفر فيها كل ضمانات المحاكمة العادلة.
الحاجة إلى مقاربة شاملة
والجدل حول الإعدام ليس تقنيا فحسب، بل هو فلسفي وأخلاقي يطرح عديد التساؤلات من قبيل هل العدالة هي القصاص ؟ أم هي حماية المجتمع عبر منظومة متكاملة من الردع والإصلاح؟ وهل الإعدام يردع فعلا، أم يلبّي حاجة نفسية جماعية للانتقام في لحظة الغضب؟
في المقابل، لا يمكن إنكار حق المجتمع في الأمان، ولا حق الضحايا في العدالة، لكن العدالة، حتى تكون عادلة، تحتاج إلى قضاء مستقل وناجع، وإلى تحقيقات دقيقة، وإلى سياسات وقائية تُعالج جذور العنف لا مظاهره فقط.
وتصاعد الإحساس بالعنف في تونس يستدعي مقاربة شاملة متعددة الأبعاد تقوم على تعزيز الأمن الوقائي ومكافحة الجريمة المنظمة، وتسريع الإجراءات القضائية حتى لا تتحول المحاكمات إلى مسارات طويلة تُضعف الثقة في الدولة، والاستثمار في التربية، والصحة النفسية، وبرامج حماية الطفولة، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الإحباط والانحراف.
أما عقوبة الإعدام، فستظل نقطة تقاطع بين مطلب شعبي قوي، والتزام حقوقي راسخ، وموقف سياسي حاسم.
وبين هذه الزوايا الثلاث، يتشكل النقاش العام في تونس اليوم، نقاشٌ لا يقتصر على العقوبة، بل يمسّ تصورنا للعدالة، وحدود الدولة، ومعنى الحماية في مجتمع يبحث عن الطمأنينة وسط زمن مضطرب.