“عمران المقدمي” ليس محض اسم حملته سفينة من أسطول الصمود المتجه نحو غزة لكسر الحصار المفروض عليها، بل استعادة لذاكرة كاملة من الدم والمقاومة.
حينما أطلق المنظمون اسم عمران مقدمي على إحدى السفن الماضية نحو القطاع الرازح تحت الإبادة أضاءوا خيط الدم الممتد من قفصة إلى الجليل، ومن شواطئ تونس إلى شواطئ غزة.
عمران المقدمي لم يرض بمراقبة الملحمة الفلسطينية من بعيد فكان فدائيا تقدّم الصفوف في ثمانينات القرن الماضي، مباشرة بعد اغتيال القائد خليل الوزير (أبو جهاد) في تونس سنة 1988.
واختار أن يكون الردّ على الجريمة مقاومة بالفعل، وأطبق اليد على تراب فلسطين في عملية نوعية، وكتب بدمه أنّ العلاقة بين تونس وفلسطين التزام يتعتّق بالتقادم.
بعد أكثر من عقدين عاد رفاته إلى وطنه الأم تونس محمولا على أكتاف الذاكرة الوطنية، في 8 أفريل 2012، تزامنا مع ذكرى استشهاد أبو جهاد، ليصل القدر الدم بالدم، والذاكرة بالذاكرة.
وهاهو أسطول الصمود يستحضر اسمه على إحدى سفنه، لتمخر الذاكرة عباب المتوسط وتتهافت أسماء الشهداء التونسيين في فلسطين واحدا تلو الآخر.
وأن تحمل سفينة الصمود اسم عمران المقدمي يعني أن الذاكرة لا تموت فالشهداء الذين سقطوا في الثمانينات حاضرون اليوم في 2025، يحرّكون الموج ويستعيدون الحلم، وأن تونس وغزة على خط المقاومة فكما قاوم المقدمي على تراب الجليل، تقاوم السفينة لتكسر الحصار.
كل سفن الأسطول تحمل رسالة، وسفينة “عمران” تحمل معنى يتجاوز التضامن الإنساني إلى الانغماس الفعلي في تاريخ طويل من المقاومة، فهي “ذاكرة عائمة” تستحضر تونسيا خضب دمه تراب فلسطين.
من قفصة إلى الجليل تولّد معنى يتحدى الأزمنة والسرديات، فعمران المقدمي الذي ولد في رحاب المناجم التي أنجبت على مرّ العقود مقاومين ومثقفين وحالمين بالحرية لم يكن بعيدا عن هذا الإرث الجماعي حينما ارتمى مبكّرا في قلب قضية فلسطين.
ففي عام 1988، حينما اغتال الكيان الصهيوني أبو جهاد في تونس، كانت الجريمة صفعة على وجه التونسيين، إذ اقتحم الموساد أرضهم وبيوتهم، واغتال قائدا عربيا ثوريا في قلب الضاحية الشمالية.
المقدمي لم ير في فلسطين أرضا غريبة، بل امتدادا لبيته، ولمدينته، ولوطنه، فاختار أن يلتحق بصفوف المقاومة الفلسطينية، والمضي نحو عملية فدائية نوعية في شمال فلسطين المحتلة.
وفي الجليل، سقط شهيدا ليلتحق بكوكبة من التونسيين الذين اختلطت دماءهم بدماء الفلسطينيين: من ابن عمّه الشهيد محمد الصالح المقدمي، إلى ميلود بن ناجح، وفيصل الحشيشي، وخالد الجلاصي، وسامي بن الطاهر، وغيرهم من أبناء تونس الذين لم يترددوا في مواجهة العدو مباشرة.
ومن هذا المنطلق تُنزع كل صبغة بروتوكولية أو استعراضية عن إطلاق اسم الشهيد على إحدى السفن ليحل محلها سيل من الرمزية يشكله شهيد يرفض الغياب فيختار أن يعود ليُبحر إلى غزة ويذكرنا بأنها ليست بعيدة، وأن الحصار ليس قدرا، وأن الدم العربي لا يزال صالحا لكتابة الثورات على صفحات المجتمع الدولي.